ما يهم في حياة الشعوب هو مدى تواصلها وانقطاعها في تاريخها. فالشعوب التي بلا تاريخ قائمة في الهواء وخارج الزمان. والشعوب التاريخية لها ماضيها، وتتأزم في حاضرها، وتأمل في مستقبلها. تتعثر في نهضاتها، ولكن لا يمكن نزعها من التاريخ أو القضاء عليها. وفي تاريخنا الحديث ثورتان 1882 ثورة عرابي ضد الخديوي توفيق، وثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني. ولهما في الوجدان المصري كل اعتزاز وفخر. ونحن ننتمي إلى جيل شاهد ثورتين، الأولى 1952 والثانية 2011. الأولى بداية، والثانية نهاية. الأولى مقدمة، والثانية نتيجة. بل إننا جيل وعى الثورة الوطنية قبل 1952 في الفترة الليبرالية، وشاهدنا ونحن مازلنا في المدارس الابتدائية حركة الطلبة والعمال عام 1946. وخرجنا من المدارس. وأدرنا الترام لإجباره على الذهاب إلى الجامعة. فقد كان التلاميذ وهم في هذه السن المبكرة يعملون بالسياسة. فشاهدنا عهدين في تاريخ مصر الحديث، العهد الملكي والعهد الجمهوري بجمهورياته الثلاث التي انتهى آخرها بثورة يناير، ثورة الشباب في ميدان التحرير، العهد الليبرالي والعهد الاشتراكي القومي في الجمهورية الأولى، والانقلاب عليه في الجمهوريتين الثانية والثالثة. أكملت ثورة يناير 2011 ما كنا نعيبه على ثورة يوليو 1952، نقصان الحرية وغياب الحياة الديمقراطية. أكملت المبدأ السادس من مبادئ ثورة يوليو بعد القضاء على الاستعمار والملكية والإقطاع، وهو قيام حياة ديمقراطية سليمة. تصدرت قضية الحرية الثورة الثانية وحقق بالفعل شعار "ارفع رأسك يا أخي". بل إنها نظراً لطول القهر آثرت إعطاء الأولوية للحرية على العدالة الاجتماعية على الأقل حتى إسقاط النظام. وتراجعت المطالب الفئوية إلى المرتبة الثانية لأن الحرية هو المطلب الوطني الأول لجميع الفئات. السياسة تسبق الاقتصاد. وإذا تغير النظام السياسي تغير النظام الاقتصادي بالضرورة. وإذا سقط رأس النظام، سقط جسم النظام الراعي للتسلط والفساد. القهر قبل الفقر، والكرامة قبل الخبز "تجوع الحرة ولا تأكل بثديها". ومع ذلك، رفعت صور عبد الناصر، رمز الثورة قبل الانقلاب عليها. فالناصرية مازالت في وجدان الشعب. وتعني هنا الكرامة والعزة، ومركزية مصر، والقومية العربية، وفلسطين بعد أن كان العربي يخجل من كونه عربياً نظراً لتبعية نظمه لأميركا وإسرائيل، وعجزها عن استرداد حقوق شعب فلسطين. ومن هنا أتى قصر نظر مرشح الرئاسة الليبرالية، الذي يركز فقط على الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية دون العدالة الاجتماعية. وينتقد العهد الناصري كما يفعل الليبراليون، والناصرية في وجدان الشعب، حققت مطالبه الاجتماعية من غذاء وسكن وعلاج وتعليم، ومطالبها الوطنية من تصنيع وتمصير وتأميم للشركات الأجنبية. تتشابه الثورتان في قضاء الأولى على الملكية والإقطاع ورأس المال والتحقيق في أسباب هزيمة فلسطين 1948، والثانية تخلي الرئيس عن الحكم، والتحقيق في أسباب الفساد، وحل مباحث أمن الدولة ومجلسي الشعب والشورى، ومازال الحزب الحاكم في الانتظار، وتعليق العمل بالدستور. وتجاوز كلاهما أحزاب المعارضة القائمة الأولى الوفد والثانية التجمع والعربي الناصري والجبهة الوطنية الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني مثل "كفاية"، وحركة 9 مارس ومنظمات حقوق الإنسان و"المحظورة". أعلنت الثورة الأولى المبادئ الستة تجمع بين السلب مثل القضاء على الملكية والإقطاع والإيجاب مثل تحقيق العدالة الاجتماعية. كما صاغت الثانية مبادئ عشرة تجمع أيضاً بين السلب والإيجاب، السلب مثل إسقاط النظام، وحل مجلسي الشعب والشورى، ومباحث أمن الدولة، والحزب الحاكم، ووزارة الإعلام والإيجاب مثل حق تكوين الأحزاب السياسية بمجرد الإخطار، الانتخاب لكل القيادات السياسية والاجتماعية والتعليمية والثقافية. ثورة يوليو قطعت مع النظام قبل 1952 "العهد البائد"، وبدأت بداية جديدة في جميع القطاعات، مجانية التعليم، القطاع العام، الإصلاح الزراعي. وقطعت ثورة يناير الثانية مع النظام السابق، رئاسة وتنظيماً وحزباً ووزارة وإعلاماً وشرطة واقتصاد وخصخصة. ورفض الثوار التعامل مع كل من تعامل مع النظام السابق وبرره ودافع عنه وخالف ضميره. الأولى كانت شرارة لاندلاع ثورات الضباط الأحرار في سائر أرجاء الوطن العربي، العراق 1958، اليمن 1964، ليبيا 1969. والثانية كانت أيضا الشرارة التي انتقلت إليها من تونس إلى ليبيا واليمن والبحرين ومظاهرات في الأردن والعراق والجزائر والمغرب ولبنان ومطالب دستورية في عمان وفي سائر الأقطار العربية. وبالرغم من أوجه التشابه هذه هناك أوجه اختلاف. الثورة الأولى قام بها الجيش وأيده الشعب. والثورة الثانية قام بها الشعب وأيده الجيش، تبادلا للأدوار. في الثورة الأولى كان الضباط الأحرار ينتسبون للتيارات والأحزاب والقوى السياسية التي كانت موجودة في الأربعينيات، الإخوان والماركسيون والوطنيون. وفي الثانية تجاوز الثوار الأيديولوجيات الثورية. وكان دافعهم الأول أزمة الوطن، والرغبة في إنقاذه. في الثورة الأولى انقسم الضباط الأحرار إلى فريقين: فريق يريد العودة إلى الثكنات بعد تحقيق أهداف الثورة الأولى، وفريق يريد الاستمرار في الحكم حتى تتحقق باقي مطالب الثورة، العدالة الاجتماعية. وفي الثورة الثانية عزوف الجيش عن الحكم بعد تكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة به، ورغبة في عودة الجيش إلى مكانه الطبيعي، الدفاع عن البلاد ضد العدوان الخارجي، وتسليم السلطة للمدنيين بعد تحقيق الانتقال السلمي للسلطة. في الثورة الأولى أصبح الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة معروفين، وتحولوا إلى قادة جماهيريين، وخطباء شعبيين، وقادة سياسيين، شباباً تحت سن الثلاثين في معظمهم. وفي الثورة الثانية الضباط مجهولون باستثناء رئيس المجلس ونائبه. لا يتكلمون. لا يخطبون. وليس لديهم رغبة في أن يصبحوا زعماء سياسيين. في الثورة الأولى تم حل الأحزاب بما في ذلك الوفد الحزب الشعبي الرئيسي للمعارضة في البلاد ثم الإخوان التنظيم الرئيسي للمعارضة في البلاد. وحاول الضباط الأحرار تكوين أحزاب بديلة، هيئة التحرير، الاتحاد القومي، الاتحاد الاشتراكي، حزب مصر العربي الاشتراكي، الحزب الوطني وكلها أحزاب فوقية لا شعبية لها. والثورة الثانية حلت الحزب "الوطني" وأبقت على التنظيمات الحزبية القديمة للمعارضة وسمحت بتكوين أحزاب جديدة مثل حزب "الوسط" بحكم قضائي، وحرية تكوين الأحزاب بمجرد الإخطار. في الثورة الأولى غادر الملك البلاد وتحول النظام فيما بعد من ملكي إلى جمهوري. وانتهى التوريث. وفي الثانية بقي الرئيس المتخلي عن السلطة داخل البلاد ولكنه ممنوع من السفر وخاضع للرقابة المالية في ثرواته التي جمعها وهو موظف عمومي في الدولة. لم يترك الملك مذكرات بينما الثاني بدأ في كتابتها. الأول انتهى مصيره خارج البلاد والثاني مازال ينتظر المصير. كانت الثورة الأولى سلمية باستثناء جندي أو جنديي حراسة في حين كانت الثانية دموية نسبياً سقط فيها مئات من الشهداء برصاص القناصة. شعب أعزل في مواجهة شرطة وأمن مسلحين مثل الثورة اليمنية وإن لم تصل بعد إلى درجة الثورة الليبية. قدمت الثورة الأولى رجال العهد السابق إلى المحاكم العسكرية أو محكمة الثورة حيث قد لا تتوافر فيها كل الضمانات للمتهمين، في حين قدمت الثورة الثانية المتهمين إلى القضاء العادي، البلاغ والتحقيق ثم المحاكمة مع كافة الضمانات للدفاع. وأخيرا الثورة الأولى بدأت بانقلاب أو "حركة مباركة" ثم تطورت إلى ثورة. في حين أن الثانية تضامنت مع الثورة المدنية. ولم تسمِ نفسها لا انقلابا ولا حركة ولا ثورة. وأرجعت الفضل لأهله.