شهد العالم خلال السنوات القليلة الماضية مجموعة من الأزمات الاستثنائية التي لم يعتدها منذ عقود، بداية بـ"الأزمة المالية العالمية"، التي اندلعت في منتصف عام 2008، والتي تعد أسوأ أزمة يشهدها الاقتصاد العالمي منذ أزمة "الكساد الكبير"، التي وقعت خلال الفترة ما بين عامي 1929 و1935، وقد كشفت "الأزمة المالية" الحالية الكثير من نقاط الضعف والقصور التي تعتري النظام المالي العالمي الحالي، كضعف مستوى الرقابة على التعاملات المالية والنقدية، خاصة في الاقتصادات الكبرى، وكذلك على مستوى النظام المالي والنقدي العالمي كله. وإلى جانب "الأزمة المالية العالمية" التي تمتدّ آثارها السلبية إلى الآن، فقد شهدت الأشهر القليلة الماضية موجة كبيرة من الاحتجاجات الشعبية ضد بعض الأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وقد أدى تصاعد هذه الاحتجاجات وتفاقم تأثيراتها السلبية في دول عدة إلى حركة خروج نسبي لرؤوس الأموال من تلك الدول إلى دول أخرى في المنطقة وإلى مناطق أخرى في العام أيضاً. ومع تزامن تداعيات "الأزمة المالية العالمية" وتفاقم أزمة الاحتجاجات الشعبية في منطقة الشرق الأوسط فقد ازدادت أهمية أدوات الرقابة المالية كآلية لمكافحة التحركات غير المشروعة لرؤوس الأموال كتمويل الإرهاب وغسل الأموال حول العالم، وقد سعت العديد من الدول إلى تطبيق العديد من التعديلات وتبنّي إجراءات استثنائية لحماية نظُمها المالية والمصرفية من تدفّق هذه الأموال إليها، وما يمكن أن يترتّب على ذلك من أضرار على أسواقها المحلية. وتعدّ دولة الإمارات إحدى الدول الأكثر اهتماماً بهذه الإجراءات، وفي هذا الإطار فقد أعلنت "وحدة غسل الأموال والحالات المشبوهة" التابعة لـ"مصرف الإمارات المركزي" أن دولة الإمارات تلتزم بشكل كامل تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بقضايا مكافحة غسل الأموال، وعلى رأسها القرارات الصادرة عن "مجلس الأمن الدولي" وجميع المنظمات التابعة له، مع التزام تام بتجميد الأموال المشتبه فيها، ذات الصلة بأنشطة تمويل الإرهاب وغسل الأموال وشتى أنواع الانتقالات غير المشروعة لرؤوس الأموال. وقد أعلنت "وحدة غسل الأموال والحالات المشبوهة" الإماراتية أن إجمالي عدد التقارير المتعلّقة بالتحرّكات المشتبه فيها لرؤوس الأموال والمحالة من طرفها إلى الجهات التنفيذية لاتخاذ القرارات اللازمة فيها قد شهدت ارتفاعات تقدّر بما يتراوح بين 40 و50 في المئة سنوياً منذ بداية "الأزمة المالية العالمية" حتى الآن. ويمكن قراءة دلالتين مهمّتين لهذا الارتفاع، أولاهما تتمثّل في أن هناك زيادة كبيرة في حجم مثل هذه الأنشطة غير المشروعة، ما يؤكد أهمية أن تبقى السلطات النقدية والمالية، في دولة الإمارات وفي العالم، على درجة عالية من اليقظة لحماية أسواقها من هذه الأموال الضارة. أما الدلالة الثانية فتتمثّل في أن السلطات الإماراتية المتمثلة في "وحدة غسل الأموال والحالات المشبوهة" التابعة لـ"مصرف الإمارات المركزي" وغيرها من الكيانات المسؤولة عن مكافحة مثل هذه الأنشطة غير المشروعة، تقوم بالدور المنوط بها على الوجه المطلوب، وأنها تأخذ حذرها الكافي بما يمكنها من تقويض محاولات القائمين على تلك الأنشطة، لتبقي نظامها المالي والمصرفي في مأمن تام، بعيداً عن الأضرار التي يمكن أن تتهدّده، وما يمكن أن يترتب على ذلك من مظاهر لعدم الاستقرار المالي والنقدي، وبالتالي الإضرار بالمناخ الاستثماري وبيئة الأعمال الإماراتية ومن ثم مجمل الأداء الاقتصادي في الدولة، في حاضره ومستقبله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.