تعوّد كل فرد منّا عندما يستخدم الكومبيوتر أن يلجأ للقص واللصق عند كتابة مقالاته أو تقاريره أو محاضراته أو أبحاثه. وهو أسلوب مباح استعماله وليست هناك لوائح أو قوانين تحظر استخدامه. لكن عندما يُصبح القص وسيلة لالتهام البعض نتاج غيرهم وإلصاق إنجازات الآخرين لأنفسهم، هنا يُصبح الأمر خارجاً عن القانون. كانت الكاتبة السعودية "سلوى العضيدان"، قد فجّرت مؤخراً على صفحات الجرائد فضيحة من العيار الثقيل، حين تقدّمت بشكوى علنية إلى الإدارة العامة لحقوق المؤلف التابعة لوزارة الإعلام ضد الداعية الدكتور "عائض القرني"، وأنه قام بالاستيلاء على كتابها "هكذا هزموا اليأس". مؤكدة بالأدلة والبراهين أن محتوى كتابه "لا تيأس" قد تضمن عملية قص ولصق من كتابها لمواضيع كاملة واجتزاء عناوين وتحويرها ونسخ فقرات وصلت إلى نقلها بأخطائها المطبعية. الدكتور "عائض القرني" لم يُنكر فعلته بل اعترف بعملية النقل مُظهرا استعداده لتقديم اعتذار خطّي للكاتبة، لكنه على الجانب الآخر رفض وقف إعادة طبع كتابه أو منع ترجمته أو سحبه من الأسواق، مما يرسم علامة استفهام كُبرى حول موقفه. أعجبني تعليق الكاتبة سلوى العضيدان بأنها لا ترغب في تصعيد القضية بدعوى الدفاع عن حقوق المرأة، وأنها متمسكة بحقها المعنوي والفكري من منطلق كونها إنساناً أولاً وأخيراً وليس لكونها امرأة تُطالب برفع الظلم الذي وقع عليها!، وقد فعلت الصواب حتّى لا يتم التعامل مع قضيتها بدونية كون المجتمع العربي في معظمه لم يزل يتعامل مع فكر المرأة بتحفّظ وريبة ولديه قناعة ذاتيّة بأن نتاجها الفكري لم يصل للمرتبة الفكرية العالية التي وصل إليها الرجل. قضية الكاتبة المجني عليها والداعية الشهير ليست بجديدة على الساحة الثقافية، ولن تكون الأخيرة في سجل سطو المؤلفين والمفكرين على نتاج بعضهم البعض! وجميعنا يتذكّر الفضيحة الكبرى التي هزّت الساحة الثقافية العربية العام الماضي حين تمَّ اتهام الكاتب الجزائري "حفناوي بعلي" بالسطو على حقوق الملكية الفكرية لمؤلفين معروفين، وهو ما دفع القائمين على جائزة الشيخ زايد للكتاب بسحب جائزة فرع الآداب منه بعد التثبّت من صحة الاتهامات. السرقات الأدبية في العالم ستظل قائمة ما دامت هناك أفكار جميلة واجتهادات مبهرة تُثير لعاب الآخرين وتحرّك شهيتهم للمجد والشهرة وحصد الجوائز. لكن ما يُحيرني حقيقة هو كيف يمكن لمفكر أو كاتب يحمل قلماً بين يديه أن يقوم بالاستيلاء في وضح النهار على أفكار الآخرين الذين سهروا الليالي وسخّروا وقتهم وجهدهم لتقديم الجديد؟! أتذكّر قبل عدة سنوات حين نشرتُ مقاطع من روايتي "سيقان ملتوية" على الإنترنت، أن قام كاتب فلسطيني مغمور بنشر هذه المقاطع ونسبها لنفسه مستغلاً أن بطل روايتي فلسطيني الأصل وهو ما جعلني وقتها أستشيط غضباً وهددته بمقاضاته إن لم يقم بشطب هذه الفقرات من صفحته أو يُشير إلى أنّي صاحبتها الحقيقية. نتاج الكاتب أو الأديب أو المفكر مثل أبنائه الذين حملهم في أحشائه ليالي طويلة وعانى من آلام شديدة حتّى يخرجوا للحياة، وهو ما يجعلهم أعزاء على قلبه ويُحارب بضراوة حين يُحاول أحدهم خطفهم ونسب أصولهم له! أتمنى أن يكون هناك تعويض مادي كبير وجزاء صارم لكل من تسوّل له نفسه سلب فكر الآخرين، ففكر الإنسان هو هويته وعصارة خبرته وإرثه الذي سيتركه للناس بعد أن يرحل عن هذه الدنيا. من الواجب على لجنة حقوق المؤلفين أن تحمي الميراث الفكري للكاتب والأديب في حياته وبعد مماته.