تواجه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اليوم فجوة تفصل بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، ولمناقشة هذا الموضوع، نظَّم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية مؤتمره السنوي الخامس عشر حول "مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل في مجلس التعاون الخليجي"، فاستضاف لفيفاً من الخبراء المتميزين شاركوا ببحوث ومداخلات هي ما نجده في الكتاب الذي نعرضه هنا، وقد صدر بذات العنوان الذي جرى تحته المؤتمر، فتضمّن دراسة علمية لحجم المعضلة ومؤشراتها، والمتغيرات المرتبطة بتفاعلات التعليم وسوق العمل، ودراسات حالة للعلاقة بين التعليم وسوق العمل في دول خليجية، علاوة على استعراض الاستراتيجيات والسياسات ذات الصلة. وكما أوضحت أبحاث الكتاب، فإن قضية العلاقة بين التعليم وسوق العمل، تحظى بأهمية بارزة، للطلاب وأولياء الأمور والتربويين وصانعي السياسات والمحللين الاستراتيجيين... حيث أن نوعية وكمية التعليم الذي يتلقاه الفرد خلال سني دراسته تؤثران في مستقبله الوظيفي، وقدرته على تحصيل الدخل. كما يعد هاجس البطالة بعد التخرج الدراسي، ذا آثار سلبية على الخريجين ومجتمعاتهم. وكل ذلك لا ينفصل عن تأثير التعليم في شخصية المتعلم وهويته ومهاراته، حيث صارت المؤهلات الشخصية مثل القدرة على التحليل والتفسير واتخاذ القرار وحل المشكلات... عاملاً حاسماً في التنافس على شغل الوظائف. وما دامت أسواق العمل في حركة دائمة، والوظائف المتاحة تتغير باستمرار، كما تتغير متطلبات أدائها بحكم التقدم التقني، فقد أمست هناك ضرورة للتعلم والتدرب مدى الحياة. وفي وقفته أمام نوعية وطبيعة النظام التعليمي، يلح الكتاب على أهمية الإمكانات المادية والفكرية المتاحة لمؤسسات التعليم، قائلاً إنها تؤثر في نوعية التعليم الذي تقدمه، وتالياً على فرص طلابها في الالتحاق بسوق العمل. فالانتساب إلى مؤسسة تعليمية ذات مكانة مرموقة عالمياً، يسهل على خريجيها الاندماج في سوق العمل، لكن إمكانية الوصول إلى هذه المؤسسات تتفاوت من مجتمع إلى آخر، كما يتفاوت العائد من الاستثمار في التعليم من دولة إلى أخرى، ما يقتضي مناقشة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للعلاقة بين التعليم وسوق العمل. ويتفاجأ الكتاب بالفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي؛ فهذه الدول تتمتع بمستوى دخل مرتفع، وتنفق بسخاء على التعليم، مما أدى إلى انتشار التعليم فيها بنسب عالية، كما حققت مستوى متقدماً من المساواة بين مواطنيها من الجنسين في مراحل التعليم المختلفة، وقد بدأ الكثير من المؤسسات التعليمية ذات السمعة العالمية ينشر فروعه في المنطقة... ومع ذلك فعائد الاستثمار التعليمي في دول مجلس التعاون منخفض، ومستوى الطلاب في الاختبارات العالمية للرياضيات والعلوم متدنٍ. ورغم النمو الاقتصادي الذي تشهده هذه الدول بما يوفره من وظائف وفرص عمل كثيرة نسبياً، فإن بعض الخريجين الخليجيين يواجهون البطالة، ولا يستطيعون المنافسة في سوق عمل مجزأة. وتشير بعض أبحاث الكتاب التي تصدت لتشخيص هذه المعضلة، إلى أن نمط التنمية الذي اتُّبع في دول المجلس خلال العقد الأخير لم يكن مناسباً لطبيعة مهارات أبناء المنطقة وتطلعاتهم في سوق العمل، كما لم يتسم بإنتاجية عالية؛ بسبب غلبة العمالة غير الماهرة. وهكذا فحل هذه المعضلة يتطلب، وفقاً لهذا الرأي، إعادة النظر في نموذج التنمية المتبع، وأولويات القطاع الخاص على وجه التحديد، بما يناسب طبيعة الموارد البشرية الخليجية. وهناك من الأكاديميين الخليجيين من يعزو المعضلة إلى عوامل مختلفة، منها: الجامعات، والتخصصات العلمية، وأساليب التعليم ذات الطابع النظري... على أن بعضاً آخر يلقي المسؤولية على سوق العمل التي لا تراعي طبيعة الموارد البشرية المواطنة، وتفضل العمالة الوافدة بسبب انخفاض تكلفتها. هذا فيما يشير آخرون إلى التوجهات المجتمعية التي تجعل المواطنين يعزفون عن العمل في القطاع الخاص. أما النظرة الخارجية لهذه المعضلة، فترى أنه على دول المنطقة بذل كثير من الجهد على محاور متنوعة؛ أبرزها: مواصلة السعي لإيجاد قواعد بيانات مفصلة حول مؤشرات التعليم والتوظيف، واستخدام مؤشر العائد على الاستثمار في التعليم، كما تتحتم مواصلة الاهتمام بنـشر التعليم وتعميمه، وتقديم الخدمة التعليمية بأساليب جديدة، وإيجاد الصلة بين التعليم والعمل منذ مراحل مبكرة. وعموماً فإن الكتاب يلح على ضرورة التنسيق بين مؤسسات التعليم ومؤسسات العمل، وجعل العمل تجربة تعليمية ترتقي بمعارف العامل ومهاراته. وبالمثل جعْل التعليم ذا صلة بسوق العمل. كما ينبغي أن يكون الهدف من ذلك التنسيق، الوصول إلى "بيئة العمل عالية الأداء". إن هذه التغييرات، على صعوبتها، تبدو ضرورية حيث لم يعد من الملائم تنظيم التعليم وتقديمه ضمن جدران معزولة عن المجتمع، بل يجب النظر إليه في إطار السمات الحاكمة لمجالات الحياة في العـصر الجديد، وهي: التشارك والتعاطف والتوزُّع. أما من الناحية التطبيقية، فعلى دول مجلس التعاون إعداد بناها التحتية كي تناسب الثورة الصناعية الثالثة، من شبكات للاتصال والمعلومات والتعليم والتجارة، وتأهيل كوادرها البشرية القادرة على إدارة نمط الاقتصاد المعلوماتي. محمد ولد المنى الكتاب: مخرجات التعليم وسوق العمل في دول مجلس التعاون المؤلفون: جماعة الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2011