ثلاثة أبعاد أساسية للحرب ضد الفساد تعرضت لبحوث علمية متعمقة إضافة إلى ما تتمتع به من دليل تاريخي من روايات بالغة الثراء والدلالة. ومن الضروري لأية حرب ضد الفساد أن تبدأ بتجميع هذه الأبعاد لضمان النصر. وثمة بعد رابع لم تستطع البحوث العلمية أن تؤكده أو حتى تتناوله بصورة مقبولة أو تنتهي إلى نتائج حاسمة بشأنه لأسباب شتى. وهو ليس أقل أهمية بل ربما يكون العنصر الحاسم والذي إن غاب لن يكون هناك أمل حقيقي في الانقضاض الناجح على الفساد. لنبدأ بالأبعاد الثلاثة الأولى. أول هذه الأبعاد هو وضع سياسة اقتصادية ومالية سليمة تسترد التناسب المرغوب بين الأسعار والأجور وخاصة في القطاع الحكومي. فالفجوة الكبيرة بين الأسعار الحقيقية والأجور والمرتبات الإسمية مثلت العلة المباشرة وراء انحطاط معنويات موظفي الدولة وخاصة في جهازها الأمني. وما أن يحدث ذلك حتى ينطلق الفساد فيها ومن ثم في المجتمع كله. لقد حدث ذلك في المجتمعات قبل الرأسمالية نتيجة إغراق الاقتصاد بمعادن نفيسة رخيصة الثمن سواء نتيجة اكتشافات جديدة أو النهب من بلاد أخرى. والحالة النموذجية هي الإمبراطورية العثمانية التي أغرقت بالذهب والفضة المتدفقين إليها من أميركا اللاتينية عبر التهريب بدءاً من القرن الثامن عشر وهو ما أدى إلى أن الأجور المدفوعة بعملات من هذين المعدنين صارت ضئيلة في قيمتها الحقيقية. واضطر موظفو الدولة إلى قبول الرشاوى لتعويض الفجوة. وأدى استسلام الدولة لهذه الظاهرة إلى أن صار الأجر الحقيقي مقابل الوظيفة الحكومية يدفع إجباراً من قوى المجتمع ومن ثم تمكنت مختلف القوى الاجتماعية وخاصة الأغنياء من تعطيل القانون وشراء ذمم الموظفين العموميين من كافة قطاعات الدولة ومستوياتها الأمر الذي أدى إلى انهيار حقيقي للمجتمع والإمبراطورية. وتعد تجربة العثمانيين تكراراً يكاد يكون نمطياً لما حدث للخلافات الإسلامية الأخرى بل وللإمبراطورية الرومانية وهو ما شرحه المؤرخ جيبون ببراعة في تأريخه الفذ لسقوط روما.
أما في العصر الحديث فإن التضخم وتعاظم الفجوة بين الأسعار والأجور الحقيقية ينشأ عن أزمة الدولة المالية وعجزها عن تحصيل ضرائب كافية للإنفاق المجدي على جهازها المتضخم. ويعني ذلك بالنسبة لبلادنا العربية الكبيرة غير المصدرة للنفط حتمية السيطرة على نمو الجهاز الحكومي وتحسين أجوره الحقيقية من أجل ضمان انضباطه حتى تمكن السيطرة على الفساد.
أما البعد الثاني فهو استقلالية الدولة ونزاهة تطبيقها لتشريعات كافية لضبط التطور العام للمجتمع وللمنافسة داخل السوق الرأسمالي سواء في الداخل أو في القطاع الخارجي. الاقتصاد الرأسمالي هو أسلوب إنتاج وتوزيع يقوم نظرياً على قواعد مجردة لا يمكن أن تعمل إلا إذا تم ضمان نزاهة المنافسة وخاصة في مشتروات ومشروعات الحكومة والقروض والعمليات المصرفية. ولكن هذا النظام مثله مثل أي نظام اقتصادي أو اجتماعي آخر يقوم على بشر لهم مصالح محددة قد تصطدم مع القوانين العامة المجردة للاقتصاد الرأسمالي وخاصة فيما يتعلق بالعمليات التي يتفاعل فيها الرأسماليون مع الحكومة والمصارف. ومعظم أحداث الفساد في العالم العربي وفي العالم تنشأ داخل هذين الفضاءين. ويحدث ذلك في حالات معينة نتيجة غياب أو نقص التشريعات الضرورية لمناهضة الفساد وضمان نزاهة المنافسة وحيادية جهاز الدولة مع المتنافسين. وفي حالات أخرى قد تكون التشريعات مرضية من ناحية النصوص ولكنها لا تطبق نتيجة فقدان موظفي الدولة للنزاهة للأسباب السابق ذكرها. ولا يمكن للدولة أن تقوم بتشريع القوانين اللازمة مثل مناهضة الاحتكار والإغراق وحماية المستهلك وتجريم ومعاقبة الرشوة والتسيب في أداء الوظيفة العامة إلا إذا كانت مستقلة. ويعني ذلك بالنسبة للعالم العربي الفصل التام بين المال العام والخاص والتحرر من الطابع العائلي للحكم ومنع الموظفين العامين من العمل بالأعمال التجارية والمالية فضلا عن قيام السلطات العامة على الرضا العام للمجتمع وخاصة من خلال انتخابات حرة نزيهة تقوم على المنافسة بين برامج سياسية وليس رشوة المواطنين للحصول على أصواتهم مقابل التضحية بمصالح عامة وبنزاهة الحكم.
أما البعد الثالث فيتعلق باستراتيجية الإصلاح الاقتصادي وتحديداً هذا النوع من الإصلاحات الذي يقوم على الانتقال من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة ومن الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق. فالمرحلة الأولى من الانتقال تؤدي إلى نشأة طبقة من المستفيدين الأوائل الذين لهم مصلحة في الحيلولة دون دخول عناصر جديدة إلى السوق وهو ما يؤدى إلى وقف الانتقال والإصلاحات عند مرحلة تتسم بالغموض وتعدد النظم وتضاربها وسيادة أنساق سعرية متباينة وخاصة في مجال الصرف الأجنبي والمعاملات مع السوق العالمي وترتيبات الخصخصة والتشريعات الضرورية لأعمال قواعد السوق بنزاهة. وتثبت البحوث العلمية حول استراتيجيات الانتقال، أن الانتقال الحاسم والمتكامل من النواحي التشريعية والعملياتية يؤدي إلى فساد أقل بكثير من ا