تعد الكتب التي تناولت الحرب الباردة من المنظور السوفييتي محدودة للغاية، وذلك إذا ما قورنت مع طوفان الكتب التي تناولتها من الجانب الأميركي، وهو ما يرجع للمصاعب العديدة التي واجهها المؤرخون في الحصول على وثائق تتناول تفاصيل تلك الحرب من الجانب السوفييتي. ويعد كتاب "جوناثان هاسلام"، أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة كمبردج، من أوائل الكتب التي تقدم رواية شاملة لتلك الحرب والسياسات السوفييتية خلال الفترة بين ثورة أكتوبر 1917 وسقوط جدار برلين عام 1989، اعتماداً وثائق روسية. يقول المؤلف إن روسيا الإمبراطورية لم تطرح نفسها بديلاً للغرب، وحتى عندما تمكنت جيوشها من سحق جيوش نابليون، لم تواصل تقدمها نحو باريس رغم أن الطريق كان مفتوحاً أمامها، وأن الأيديولوجية الماركسية اللينينية قررت منذ البداية إدارة علاقات موسكو الدبلوماسية مع عواصم الغرب الرأسمالي جنباً إلى جنب مع السعي نحو تحقيق الهدف النهائي لتلك الأيديولوجية وهو الثورة العالمية الشاملة. فالروس "كانوا واقعيين من ناحية الوسائل، وطوباويين من ناحية الغايات". ويرى المؤلف أن التدهور في علاقات شركاء الحرب العالمية الثانية وتحولها إلى حرب باردة، سببه أن الاتحاد السوفييتي كان يرى أن الثمن الباهظ الذي دفعه في الحرب العالمية الثانية، يمنحه نوعاً من السلطة المعنوية التي تجيز له التدخل في تقرير مستقبل أوروبا، بينما كان الأميركيون مصرين على تعزيز اقتصاد القارة -واقتصادهم بالطبع- من خلال استعادة نظام التجارة الحرة. ويقول المؤلف تعليقاً على ذلك التباين إنه كان لدى ستالين فهم ذكي لكيفية التنسيق بين "العسكري" و"السياسي"، بينما كرس روزفلت وترومان جهدهما لتحليل شخصية الدكتاتور السوفييتي. ويمضي المؤلف بالقول إن الجيش الأحمر أتاح الفرصة لستالين كي يفرض النظام الشيوعي على دول أوروبا الشرقية وعلى نصف ألمانيا، دون أن يتمكن الغرب من منعه. وعندما تزايدت الأنشطة السوفييتية الانتهازية وامتدت إلى إيران وتركيا، لم يكن أمام ترومان سوى اتباع سياسة "الاحتواء". وفي السنوات اللاحقة، استطاع ستالين المناورة في حدود الإمكانيات المتاحة له حتى وفاته عام 1953. بعد ذلك تمتعت الولايات المتحدة بالتفوق في مجال الأسلحة الذرية ووسائل إطلاقها، دون أن يؤثر ذلك على قوة اقتصاها، بينما ابتلع الإنفاق السوفييتي العسكري 40 في المئة من الناتج القومي الإجمالي للبلاد، ما أصاب اقتصادها بأفدح الأضرار. عندها لم تُجدِ كل الحيل والأساليب التي اتبعها خروتشوف في إخفاء حقيقة الأوضاع الصعبة التي يعانيها الاقتصاد السوفييتي. وفي عام 1962 حاول الزعيم السوفييتي إفراد عضلاته أمام الرئيس كنيدي، حين قام بتهريب عدة صواريخ سوفييتية متطورة إلى كوبا لإحباط الدور الذي تلعبه الدفاعات الجوية الأميركية في اعتراض القاذفات السوفييتية بعيدة المدى والتي تقوم بدورياتها المعتادة فوق الدائرة القطبية الشمالية، لكن الـ"سي. آي. إيه" اكتشفت ذلك، ولم يكن للولايات المتحدة أن تقبل وجود صواريخ سوفييتية هجومية على بعد 100 ميل من سواحلها، فقامت بفرض حصار بحري وجوي على الجزيرة وأرغمت السوفييت على سحب صواريخهم من هناك، ما عُد تراجعاً عسكرياًً للسوفييت. ويركز المؤلف في كتابه بعد ذلك على حروب الوكالة التي شنت بالنيابة عن القوتين العظميين في أماكن مختلفة من العالم، وكانت في جوهرها نوعاً من التجريب للأسلحة التي ينتجها الطرفان. وفي السنوات التي تلت ذلك تولى حكم الاتحاد السوفييتي مجموعة من الزعماء الذين يصفهم المؤلف بأنهم كانوا "أنصاف موتى". ويذكر في هذا الجزء كيف قام العسكريون السوفييت بالضغط على الزعيم المريض بريجنيف، ودفعه لإصدار قرار بنشر الصواريخ السوفييتية متوسطة المدى في أوروبا الشرقية لاختبار قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها لحلفائها الغربيين وهو ما ردت عليه الولايات المتحدة بنشر صواريخ "برشنج" القادرة على ضرب المدن الروسية بسرعة فائقة، وصواريخ" كروز" القادرة على التسلل دون أن تكتشفها الراداردات السوفييتية. بعد ذلك شهدت الحرب الباردة جولات عديدة في مجال التسليح بين الطرفين حقق فيها كل طرف النصر مرات وخسر مرات، لكن الولايات المتحدة بمواردها الهائلة واقتصادها القوى استطاعت الاستمرار حتى جاء عهد ريجان الذي دشن برنامج حرب النجوم الذي كان يعرف أنه سيستنزف ميزانية الاتحاد السوفييتي ويجعله يجثو على ركبتيه إذا ما قرر منافسة الولايات المتحدة. وبعد ذلك جاء التورط العسكري في أفغانستان لينتهى بهزيمة مدوية للاتحاد السوفييتي كانت بمثابة إيذان بسقوط إمبراطوريته التي تهاوت أخيراً. سعيد كامل الكتاب: حرب روسيا الباردة... من ثورة أكتوبر إلى سقوط الجدار المؤلف: جوناثان هاسلام الناشر: ييل يونيفرستي برس تاريخ النشر: 2011