أصداء الثورة الليبية... ومأزق واشنطن في أميركا اللاتينية هل تكتمل الثورة الليبية؟ ومأزق سيناريوهات الفخ الليبي، ثم تراجع شعبية أوباما في أميركا اللاتينية، وأخيراً انتخابات هايتي... موضوعات نعرض لها ضمن قراءة موجزة في الصحافة البريطانية. فرصة لاكتمال الثورة الليبية في افتتاحية عددها الأخير الصادر يوم الأحد الماضي، قالت صحيفة "ذي أوبزرفور" إن تقاعس حكومات الدول الغربية الديمقراطية عن دعم الثوار الشرق أوسطيين في أكثر من مرة، يصل إلى حد اتهام هذه الدول صراحة بالنفاق في ادعائها نشر الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم. وقالت الافتتاحية إن هذا التقاعس كان واضحاً من جانب فرنسا في بدايات الثورة التونسية، وكذلك من جانب الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وغيرهما من الدول التي كانت لا تزال ترى في الرئيس المصري السابق حليفاً استراتيجياً لها يجب عدم التفريط فيه. ومهما كان من خزي هذه المواقف الغربية، فقد بدد الغرب الشكوك المثارة بشأن مدى التزامه صف المحتجين الديمقراطيين المطالبين بالحرية في ليبيا الآن. ذلك أن قوات حلف "الناتو" أظهرت عزماً واضحاً منذ يوم الخميس الماضي على تنفيذ قرار مجلس الأمن المتعلق بفرض حظر جوي على ليبيا، وتدمير القوة القتالية للعقيد القذافي بسبب ممارسته للقوة المفرطة في مواجهة المدنيين العزّل المحتجين على نظامه. وأشارت الافتتاحية إلى أنه لم يكن متوقعاً للرئيس الأميركي أن يغير موقفه المتحفظ من اللجوء لاستخدام القوة في ليبيا، لولا النداءات التي وجهتها جامعة الدول العربية للمجتمع الدولي لحماية المدنيين من العنف الذي يتعرضون له على يد قوات القذافي. ومهما تكن الانتقادات الموجهة إلى حكومات الدول الغربية بسبب ترددها وضعف دعمها لعملية التحول الديمقراطي التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، فإنه يجب الثناء على قوة العزم التي أبداها كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ونظيره الأميركي باراك أوباما، إضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. فبفضل مواقف هؤلاء، صدر قرار مجلس الأمن الدولي الذي أعطى تفويضاً أممياً بالتدخل لحماية المدنيين. وفيما لو استطاعت قوات الناتو المشاركة في عمليات تدمير القوة العسكرية للقذافي، فإن في ذلك ما يوفر ظروفاً ملائمة تمكن الثوار الليبيين من إكمال ثورتهم ونيل الحرية التي يتطلعون إليها. سيناريوهات المشهد الليبي ولكن على عكس تفاؤل افتتاحية "ذي أوبزرفور" أعلاه، تساءل الكاتب الشهير روبرت فيسك -عبر مقال نشرته صحيفة "ذي إندبندنت" يوم السبت الماضي- عما إذا كان الغرب سيبدي ذات الحماس للتدخل العسكري، فيما لو كانت أحداث العنف هذه ضد المدنيين الليبيين قد وقعت في دولة نائية فقيرة من الموارد المعدنية والطبيعية لا سيما النفط مثل موريتانيا، أو في دولة أخرى لا أهمية لها في حماية أمن إسرائيل. وقد تولى الكاتب نفسه الإجابة عن السؤال بالقول إن الغرب لم يكن ليبدي حماساً يذكر لفرض منطقة حظر جوي في سماء موريتانيا ولا ساحل العاج على سبيل المثال. وعلى رغم التدخل العسكري الغربي الآن، ألم يكن الغرب نفسه قد أحب القذافي وهلل له لحظة صعوده إلى سدة الحكم في عام 1969، ثم كرهه واتهمه بالضلوع في علاقات إرهابية، ثم أحبه ثانية عقب تخليه عن برنامجه النووي وقبوله الانفتاح على الغرب مؤخراً؟ إن من الإيجابية أن ينحاز الغرب إلى صف المحتجين المطالبين بالحرية والديمقراطية بالطبع -حتى وإن جاء هذا الانحياز متأخراً كثيراً من موعده-. ولكن من المهم تجنيب ليبيا فخ الحرب الأهلية التي أشعلها التدخل العسكري في العراق عام 2003. وقبل ذلك من الأهمية الفائقة أن يفتح الغرب عينيه جيداً على "الصدّامات والقذاذيف" الشرق أوسطيين الكثر الذين لا يزال يسهم هو في بذر بذورهم وتقوية عودهم. أوباما بأميركا اللاتينية نشرت صحيفة "الجارديان" الصادرة يوم الثلاثاء الماضي مقالاً للكاتب لويس هرنانديز نافارو، قال فيه إن انتخاب أوباما في عام 2008 أثار موجة من الحماس للإدارة الجديدة على امتداد أميركا اللاتينية كلها. غير أن هذا الحماس قد تراجع مع أول جولة لأوباما في المنطقة. صحيح أن سأم المواطنين من سياسات البيت الأبيض إزاء دولهم ومنطقتهم لم يصل إلى الحد الذي وصله في أيام إدارة الرئيس السابق جورج بوش، غير أن مشاعر العداء لأميركا قد انتشرت مؤخراً في معظم دول أميركا اللاتينية. فعلى سبيل المثال، استقبل أوباما لدى وصوله إلى البرازيل بالمظاهرات الشعبية، ما أرغم السلطات البرازيلية إلى تحويل الخطاب الذي كان مقرراً إلقاؤه في أحد الميادين المفتوحة إلى قاعة مسرح مغلقة. بل وصفته حركة العمال المحرومين من الأراضي والمنظمات الأخرى المتحالفة معها بأنه شخص غير مرغوب فيه في المنطقة. وعلى رغم أن "حزب العمال" الحاكم في البرازيل أصدر أوامر بعدم مشاركة أي من أعضائه في تلك المظاهرات المناهضة لأوباما، فقد تجاهل تلك الأوامر الكثيرون وانخرطوا بين صفوف المتظاهرين. يذكر أن الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا كان قد أثنى على أوباما عندما تم تنصيبه رئيساً في يناير من عام 2009. لكنه وبنهاية ولايته -دا سيلفا- أعرب عن سأمه من سياسات واشنطن إزاء منطقة أميركا اللاتينية واصفاً إدارة أوباما بأنها تواصل ذات السياسات الإمبراطورية التي دأبت عليها واشنطن في كل الإدارات السابقة. يذكر أن أوباما كان قد وعد بمولد علاقات جديدة بين واشنطن وأميركا اللاتينية. وتقوم هذه العلاقات الجديدة على نهج الحوار المشترك مع دول المنطقة، والتفاوض معها في المصالح الحيوية، باعتبارها نداً وشريكاً حقيقياً لواشنطن. بيد أن أياً من هذه الوعود لم يتحقق، وظلت كثير من الاتفاقيات والمعاهدات المشتركة الواجب إبرامها معلقة، دون أن يجيزها الكونجرس الأميركي بعد. وعليه فقد خسر أوباما ثقة شعوب المنطقة ودولها به. ومن هنا نشأت حالة السأم العام من واشنطن ووعودها بين مواطني أميركا اللاتينية. انتخابات هايتي في عددها الأخير، قالت افتتاحية مجلة "ذي إيكونومست" إن عملية الاقتراع قد بدأت متأخرة في 60 مركزاً انتخابياً في عاصمة هايتي ليلة أمس الأول، بينما لم يصل الحبر الذي يستخدم في أخذ بصمة المقترعين، بينما بدا الإقبال ضعيفاً على الانتخابات عموماً. إلى ذلك سقط اثنان من المواطنين على الأقل في تصاعد أحداث عنف لها صلة بالعملية الانتخابية نفسها. وعلى رغم نقاط الضعف الكثيرة التي وسمت بها هذه الانتخابات، فهي تظل بسيطة وغير معقدة لكونها تنحصر في مرشحين متنافسين على المركز الرئاسي ويزعم كل واحد منهما أنه المتقدم على المرشح الآخر. ومهما يكن عند إعلان النتائج النهائية للعملية الانتخابية، فإن أهم تحد يواجهه الرئيس المقبل، هو تأكيد شرعيته، وذلك بسبب ممارسات الفساد والتزوير الكثيرة التي صاحبت العملية الانتخابية. وهذا ما تشكك فيه الرئيس السابق أرستيد -الذي ساعدت الولايات المتحدة في إسقاطه عام 2004، جراء إقصاء حزبه عن العملية الانتخابية برمتها. لذا على واشنطن أن تتابع بمزيد من الترقب والحذر، نتائج الانتخابات هذه. إعداد: عبدالجبار عبدالله