أرسل لي المفكر السعودي زياد بن عبد الله الدريس مقالة رائعة نشرها في إحدى الصحف العربية وأعطاها كعنوان "البطانة الغليظة"؛ ومضمون المقالة أن المغرضين في المملكة العربية السعودية أو أصحاب "غضبة الجمعة" رجعوا بخفي حنين، حيث ما إن فرغ السعوديون من الصلاة حتى رجعوا إلى منازلهم وانتشروا في الأرض، لأن الشعب السعودي لم يكن ليحمل راية: الشعب يريد إسقاط النظام، ولكنه مؤمن إيماناً حقيقياً بأن الشعب يريد الإصلاح وإسقاط الفوضى، وأنه كباقي الشعوب العربية يريد أن يعيش في عز وكرامة ورفاهية، وبرهن على وعي نادر بمسألة "والفتنة أشد من القتل". ثم تساءل زياد عن السبب الذي جعل بعض رؤساء "الجمهلوكيات" العربية يسقطون أو على وشك السقوط، فأجاب أنهم اكتشفوا متأخرين أن الشعب على حق وأنهم على باطل، وحاولوا أن يتداركوا ما فاتهم، ولكن هيهات هيهات! ثم تساءل مرة أخرى: لماذا هذه الإحاطة المتأخرة؟ فأجاب: "لأن جسد الرئيس محاط بـ(بطانة) غليظة، تمنع عنه الحر والبرد والصوت والضوء، كما أنها تحميه من التعرض لأية آلام قد تصيبه من أجساد الشعب؛ فالبطانة الغليظة مفيدة لحماية الجسم من تقلبات الأجواء، لكن خطورتها أشد وأنكى عند تعرض الجسم لأدنى نسمة هواء مفاجئة؛ الجسم السوي والسليم هو الذي لا يعتمد كثيراً على البطانة مهما كانت غليظة، بل يعرض نفسه للهواء... الحار والبارد على السواء". هذا التشبيه وصف لحالة العديد من الأنظمة العربية ووصفة سياسية ناجحة. وأردفتُ عليه في رسالة مقتضبة جاء فيها: "ثم هناك، إذا سمحت لي، قادة يعتمدون على بطانة فاسدة من المستشارين تودي بهم وبالعباد إلى التهلكة وما أكثرهم، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)؛ ويظن البعض أن هاته الآية وردت للتحذير من الخنوع والركوع والاعتماد في الأحكام على اليهود أو النصارى، وفاتهم أن العديد من المفسرين ذكروا صنفاً ثالثاً أشد فتكاً ومقتاً، وهم جماعة المنافقين، وقد بدأ بهم ابن كثير قبل غيرهم عندما قال: (يقول الله تبارك وتعالى ناهياً عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة؛ أي يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خبالا)". والبطانة الفاسدة اليوم هم أولئك الشرذمة من بعض المستشارين المنافقين المحيطين بالرؤساء، يدخلون في تواطؤ وفي صيغة تخالف ترشيد القرار ومبادئ السلطة والحكامة الجيدة وقواعد المشورة الحقيقية التي تجعل مصلحة الوطن والشعب، والجهر بالحق ولو كان مراً فوق كل شيء، ويزينون لأولي الأمر وقائع مغلوطة. ثم هناك شرذمة أخرى من المستشارين غير مؤهلين لهذا المنصب، ويأخذون للأسف لقب مستشار، ويدخل في صنفهم حتى بعض الوزراء يكونون في مناصب حساسة كالداخلية والمالية والخارجية والدفاع، وغالباً ما يكونون أقرب إلى الرئيس من المستشارين أنفسهم. وتلك الطامة الكبرى يمكن أن تتراءى حتى في الدول الديمقراطية المتقدمة فلنتذكر ما قام به المحافظون الجدد من السياسيين في عهد بوش الابن من أمثال بول وولفوفيتز وريتشارد بيرل وجون بولتن ودوجلاس فيث وإليوت إبرامز، ومن المثقفين المنظرين لهذا التيار كوليام كريستول وتشارلز كروثامر وماكس بوت وغيرهم ذوي الأفكار التي لا تقال أو تستقيل، ومنها أن العالم الإسلامي وبالأخص الشرق الأوسط هو نقطة ارتكاز أميركا في سياستها لإعادة بناء النظام العالمي الذي يعرف فراغاً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وهو فراغ يجب أن تملأه الولايات المتحدة انطلاقا من هويتها. فوقع ما وقع من تدخل في العراق وأفغانستان، وأثبتت التجربتان فشل أفكار المحافظين الجدد وخطورتها وأن المحافظين أناس مغرورون ومثاليون أدوا بالسياسة الخارجية الأميركية في سنوات بوش الابن إلى الهاوية. ولنذهب إلى فرنسا لنر كيف أن شعبية ساركوزي تراجعت بسبب وزيرته السابقة في الخارجية إليو ماري عقب مجموعة من الأخطاء المتراكمة؛ كقضاء عطلة أثناء احتدام الاحتجاجات في تونس، وقبولها رحلات جوية بطائرة فاخرة من أحد معاوني الرئيس التونسي المخلوع، وموقفها من الثورة في تونس، وهذا ما جعل الرئيس الفرنسي يستغيث بالسياسي المحنك ألان جوبيه لإعادة المصداقية للدبلوماسية الفرنسية، وهذا ما نلمسه لمس اليد في قدرته على جمع قوة دولية في باريس يوم السبت الماضي مباشرة بعد القرار الذي أصدره مجلس الأمن الدولي. المقاربة هنا تكمن في أن الأمور إذا أسندت إلى غير أهلها في الحكم والسياسة، فكبّر أربعاً على وفاة أهلها، أياً كانت الدول سلطوية أم ديمقراطية. الجمهوريات التي سقطت أو أوشكت على السقوط كان يهتف فيها حكامها ومستشاروهم منذ عقود أن شعوبها ستحصل على حقها من الخبز والعمل والعيش الآمن، وأن الأبناء سيلجون إلى مدارسهم وسيترقون اجتماعياً، وأن لا أحد مؤهل أفضل منهم للحكم... لكن بعد سنوات وجد الشباب أنفسهم في وادي البطالة بعد أن تخرجوا من الجامعات وفي فقر مدقع، مقابل الغنى الفاحش للبطانة الفاسدة. فلم يعد الاحتكار السياسي مقبولاً، فتم سحب البساط من تحت أقدام الرؤساء ومستشاريهم، وهذا ما رأيناه في تونس عندما خرج التونسيون إلى الشارع مرة أخرى بعد سقوط رئيس النظام، لإسقاط كل رموز النظام من حزب وساسة. العالم العربي في حاجة اليوم إلى حكام حكماء وبطانة صالحة ومصلحة.