في هذا المقال لا زلت أرصد خواطر من زيارتي الأخيرة لنيويورك ليشاركني فيها القارئ العربي. في المقال السابق توقفنا عند فيلم "فهرنهايت 9-11" الذي عرض مؤخراً في الولايات المتحدة وهو يحمل ملاحظات ليست بسيطة عن أداء الرئيس الأميركي جورج بوش وبعض أفراد مكتبه. هذا الفيلم ناقشته مع بعض المهتمين في الدولة لأنه مؤثر، ويخاطب الشعب الأميركي باللغة التي يفهمها، فطرحت فكرة دعوة المخرج لإعداد فيلم آخر يتناول القضية الفلسطينية، ويروي أحداثها للشعب الأميركي، لعلنا ننجح في اختراق احتكار اللوبي اليهودي للسياسة الأميركية، فقال لي صاحبي، لكن الفيلم هذا لن يوافق عليه من قبل بعض الحكومات العربية، لأنه سيعرض مشاهد واقعية عن دور العرب أنفسهم في نجاح إسرائيل للوصول إلى ما وصلت إليه. ومثل هذه الأفلام بحاجة إلى صراحة وجرأة وحرية السيناريو، وهذا ما يفقده الإعلام العربي صراحة بشقيه المرئي والمقروء، وهذا ما حول القنوات التلفزيونية إلى قنوات مملة لأنها إنما تروج أفكار الحزب الحاكم، لهذا عزف الكثير من الناس عن متابعة الإعلام المحلي إلى الإعلام العالمي، مما دفع الإعلام إلى تحويل البرامج للقضايا الأقل سخونة، مما جعل فترات البث لا تحمل إلا القليل من الرسائل الإيجابية، وهذا ما حوله من إعلام صانع لمستقبل الدول إلى إعلام هدفه قتل وقت المشاهد.
الإعلام الأميركي فيه كل المتناقضات لكنه في بعض الأوقات يبحث عن الحقيقة ويعرضها دون النظر إلى مصالح السلطة الحاكمة. وكلنا يعرف من فضح أحوال الناس في سجن أبو غريب العراقي. لم يكن الإعلام العربي بصورة أكيدة. دعوني أنقل لكم صورة أخرى من الإعلام الأميركي يساعد بها المواطن في ترشيح من يراه مناسباً للرئاسة. فقد أجرت جريدة "يو إس إيه توداي" وقناة "سي إن إن" استطلاعاً حول بعض القضايا نشر يوم 25-6-2004 بين وجهة نظر الناس حول من هو مرشحهم ذو الأداء الأفضل في بعض القضايا، ومنها الاقتصاد حيث توقع 53% من الناس أن أداء المرشح كيري سيكون هو الأفضل، بينما أيد 40% من العينة الرئيس بوش. وبالنسبة لمكافحة الإرهاب، لاحظت الدراسة تنازل شعبية الرئيس بوش في هذا الميدان. فبينما رأى 60% من الناس أن أداءه كان مناسباً وذلك حسب استطلاعات شهر مارس، وجد54% من الناس فقط أن أداءه كان مناسباً حسب استطلاع شهر يونيو. إذاً فالإعلام عندهم يتجاوز قضية الترفيه وله دور في مساعدة الناس على اتخاذ القرارات المناسبة. ودعونا نبتعد عن السياسة. فالمجلات الأميركية تقيم أداء الجامعات والكليات وتعطيها درجات وترتبها حسب قوة التخصص في كل كلية مما يساعد الناس في اتخاذ قراراتهم.
بعيداً عن الإعلام قليلا لأسجل لكم حديثاً جرى مع بعض العرب الأميركيين المقيمين في نيويورك عندما سألتهم عن أسباب هجرتهم. القضايا مختلفة لكن ملخصها يكمن في المحاور التالية:العدالة كانت أول هذه المحاور. فقد أشار أحد العرب إلى رجل أمن وقال: في وطننا العربي يكره الناس هذا الإنسان لأن دوره يكمن في ظلم الناس، أو بلغة أخرى حماية الظالمين بدلا من تطبيق القانون على الكل بما فيهم من هو في المسؤولية. قلت له لكن الأمر ليس صحيحاً في كل الدول العربية. قال ربما لا ينطبق عليكم في الإمارات، فلم أسمع عنكم إلا كل خير. لكن في وطني قتل العديد من أهلي على يد رجال الأمن. رجل آخر ذكر أن الذي يعجبه في الولايات المتحدة كلمة الرئيس السابق وقال وددت لو أسمعها في وطننا العربي، فالرئيس السابق عند العرب لا تطلق إلا على الأموات. قلت له لكن سوار الذهب تنازل عن الحكم. قال: هل تذكر غيره؟ قلت له مهاتير. قال لقد وصلت رسالتك. وعلى ذكر الرئيس السابق فقد جلس الرئيس كلينتون بجانبنا في إحدى المكتبات يوقع على مذكراته. قال صديقي، هذا ما يسمى دولة فكل له دور وحدود لا يستطيع تجاوزها، أما عند العرب فالكل له دور لكن في خدمة الحزب الحاكم. مرة أخرى قلت له: لا تعمم هذه الصورة القاتمة على كل العرب، وليكن لنا دور في التغيير الإيجابي في مجتمعاتنا، بدلا من النقد السلبي الذي لن يصل بنا إلى بر.
وأختم المقال برأي لطيف سمعته بعد الفيلم، من أحد اللطفاء حيث علق بقوله: يبدو أن الرئيس بوش بحاجة إلى عمل إرهابي كي يحافظ على منصبه. فقلت: لكن الأعمال الإرهابية قد تكون ضده لأن الحزب المعارض سيثبت فشل سياسة الحكومة في حربها ضد الإرهاب وما حال إسبانيا عنا ببعيد.