بدأ الانقضاض الصيني الجديد على أوروبا بعد أيام قليلة فقط من دخول العام 2011، حيث خص قادة أوروبا نائب رئيس وزراء الصين، "لي كيديانج"، الذي يُعتقد أنه سيخلف رئيس الحكومة الحالي، باستقبال حافل خلال جولته الأوروبية التي حملته إلى إسبانيا وبريطانيا وألمانيا مصحوباً بوفد كبير يضم العديد من رجال الأعمال. وقد أعلن في طريقه التوقيع على اتفاقات واستثمارات بمليارات الدولارات تستفيد منها الاقتصادات الأوروبية الرازحة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية. ورجع "لي كيديانج" إلى بكين بعدما تعهد بإنفاق 9.7 مليار دولار إضافية لشراء السندات الإسبانية، حيث وقع وفده 16 صفقة بلغت قيمتها 5.7 مليار دولار. ومباشرة عقب الزيارة التاريخية إلى أوروبا أعلن أكبر بنك صيني أنه سيضاعف حضوره في القارة الأوروبية، وأرسلت الصين اثنين من دببة الباندا إلى حديقة إيدنبرا باسكتلندا. ومع أن العديد من الأوروبيين يرحبون بما يرونه إنقاذاً صينياً لاقتصادهم المأزوم على أمل أن تخرج الاستثمارات القادمة من ثاني اقتصاد في العالم اقتصادات منطقة الأورو من وعكتها وتساهم في تسريع تعافيها بعدما وصلت حد الانهيار، إلا أن البعض الآخر من الخبراء والمحللين يحذرون من أن الإنقاذ الصيني لأوروبا لن يأتي بدون ثمن، لاسيما إذا أصبحت أوروبا مرتهنة للصين؛ فمقابل الاستثمارات التي ستحصل عليها دول الاتحاد الأوروبي، تسعى بكين إلى ولوج الأسواق المالية الكبيرة والاستفادة من المعرفة التكنولوجية الأوروبية. هذا بالإضافة إلى الاعتقاد الواسع لدى الأوروبيين بأن الهجمة الصينية تهدف إلى اكتساب مزيد من النفوذ الجيوسياسي، وربما شل قدرة أوروبا على مضايقة الصين في بعض القضايا العالقة؛ بدءاً من حقوق الإنسان وليس انتهاء بالنزاعات التجارية، وحظر السلاح الذي مازال مفروضاً على الصين. وعن هذه المخاوف يقول "لورنس ساييز"، المحاضر في العلاقات الدولية بجامعة لندن ورئيس مركز دراسات جنوب آسيا، "تريد الصين طرح نفسها كبديل، وتأسيس نظام جديد تكون فيه المهيمنة بدلاً من الولايات المتحدة". ويضيف "ساييز" أن الانخراط الصيني في أوروبا قد يزيل كخطوة أولى الحواجز التجارية، فعلى سبيل المثال استحوذت الصين خلال الزيارة المذكورة على قسط كبير من عمليات الشركة البرازيلية التي كانت تدير كبرى شركات الطاقة الإسبانية بقيمة 1.7 مليار دولار بعدما أمضت سنوات ترفض عروض شراء مماثلة من شركات صينية وروسية. وفيما ستستغرق المليارات الصينية من الاستثمارات سنوات قبل أن تتحقق، فقد بدأت بالفعل مجموعات من الطلبة الصينيين، سواء من الطبقة الوسطى أو العليا، ومعهم رجال الأعمال، في التوافد على أوروبا استباقاً للشراكة الاقتصادية المتنامية بين الطرفين. وفي هذا السياق تزايد التبادل الثقافي بين الصين وأوروبا، حيث ترأس في شهر أكتوبر الماضي الكاتب الإيطالي، أمبيرتو إيكو والباحث الصيني "كوي كزيجو" أول منتدى ثقافي أوروبي صيني في بروكسل، وسيتم تنظيم الدورة السنوية للمنتدى خلال هذا العام في بكين. ومن بين الطلبة الصينيين الذين قرروا المجيء إلى أوروبا "تشينشونج لي" التي تنحدر من منطقة جبلية فقيرة في الصين بالقرب من التبت، وقد قدمت إلى إسبانيا قبل خمس سنوات ضمن برنامج لتبادل الطلبة، وفيما كان أقصى طموحها أن تغادر منطقتها النائية والاستقرار في بكين، وجدت نفسها في قلب القارة الأوروبية. وعن تجربتها تقول: "أشعر أني جسر بين الثقافتين وسفيرة لبلادي". ويشعر العديد من الوافدين الصينيين إلى أوروبا أن نواياهم مازالت محط شك وريبة من قبل الأوروبيين، وهو ما يؤكده "جيانج شيسو"، الأستاذ بمركز الدراسات الأوروبية التابع لأكاديمية العلوم الاجتماعية المرموقة في الصين قائلاً: "من الناحية الاقتصادية تقتصر أهدافنا على تحقيق أرباح مادية وتنويع الاحتياطات الصينية من العملات الأجنبية، والمشاركة في أسواق المال الدولية، فضلاً عن إدماج الصين أكثر في الاقتصاد العالمي، أما من الناحية السياسية والدبلوماسية فالهدف هو تحسين العلاقات الثنائية مع الاتحاد الأوروبي، كما نتوخى من الناحية الأخلاقية تقديم المساعدة لكل من يحتاجها"، محيلاً إلى إنقاذ الصين لأوروبا، وفي المقابل يعتقد "هوانج نيج"، المدير التنفيذي لمستشفى "وهان" التخصصي، أن مشاعر الشك تجاه الصين مردها سوء الفهم الثقافي، لكن في الوقت الذي تحسنت فيه صورة الصين لدى الأميركيين لأنهم أكثر احتكاكاً بالصينيين، لا يعرف الأوروبيون عنا الكثير وهو ما يغذي عدم الارتياح". ورغم أن الاستثمارات الصينية الهائلة في أوروبا لن تظهر نتائجها قريباً، فإن الاندفاعة الصينية تجاه أوروبا توضح الصعود الصيني على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي مقابل التعثر الذي تعانيه أوروبا حالياً ما يرغمها على التفاوض. وتسعى الصين على ما يبدو إلى تطبيق نموذجها الناجح والفعال في التعامل مع بلدان أخرى في إفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا على أوروبا من خلال ضخ الاستثمارات في بلدان القارة العجوز بهدف، كما يقول "هوانج"، التعلم من تجربتها "لأننا مازلنا في بداية التحول الصناعي ما يحتم علينا الانفتاح على باقي التجارب الناجحة في العالم وعلى رأسها التجربة الأوروبية". -------- أندريس كالا-مدريد ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"