تصنف العلوم الطبية العنف على أنه خطر صحي على الفرد ومشكلة صحة عامة على المجتمع برمته وهو ما تؤكده الإحصائيات والدراسات التي تظهر أن العنف يتسبب في وفاة 1.6 مليون شخص سنويّاً، أو ما يزيد على أربعة آلاف وفاة يوميّاً، وهو ما يضع العنف في مرتبة متقدمة على قائمة الأسباب الرئيسية للوفاة بين الذكور في الفئة العمرية الممتدة من سن الخامسة عشرة وحتى سن الرابعة والأربعين. وبخلاف الوفيات اليومية يتسبب العنف في عشرات الآلاف من الإصابات التي غالباً ما تتطلب مراجعة أقسام الطوارئ، أو الحجز في المستشفيات لفترات متباينة، أو على الأقل مراجعة العيادات الخارجية لشهور وسنين طويلة. ففي مقابل الأربعة آلاف وفاة يوميّاً، يتسبب العنف أيضاً حسب بعض التقديرات، في حوالي 80 ألف حالة إصابة خطيرة إلى درجة تتطلب الحجز في المستشفى، ومئات الآلاف من الزيارات لعيادات الأطباء لاحقاً. وهو ما يجعل العنف مشكلة صحية متعددة الجوانب؛ أولاً على صعيد الثمن الإنساني الفادح المتمثل في الوفيات، وثانيّاً من خلال فقدان الإنتاجية والمعاناة طويلة الأمد بسبب الإعاقات المؤقتة والدائمة، وثالثاً من خلال استنزاف المصادر المالية لنظم الرعاية الصحية، واستهلاك وقت أفراد الطاقم الطبي لعلاج آثار العنف ومنع مضاعفاتها، وهي المصادر المالية والبشرية التي كان يمكن أن توجه لمكافحة وعلاج أمراض ومشاكل صحية أخرى. ولا يقتصر التأثير الصحي للعنف على الوفيات والإصابات البدنية فقط، بل تمتد تبعاته الصحية لتشمل الجوانب النفسية والعقلية أيضاً، مسببة طائفة متنوعة من الاضطرابات، مثل الاكتئاب، أو الانتحار، أو الإصابة بمنظومة الألم المزمن. وإذا كان العنف من النوع الجنسي، مثل حالات الاغتصاب التي تتعرض لها الإناث، فإنه يمكن أن يؤدي إلى حمل غير مرغوب فيه، يؤدي لاحقاً إلى اللجوء للإجهاض، أو الإصابة ببعض الأمراض الجنسية مثل فيروس نقص المناعة أو الإيدز. وتأخذ تبعات العنف بعداً خاصّاً إذا ما تعرض له الشخص في سنوات العمر الأولى، أو مرحلة الطفولة، حيث تزداد معدلات إدمان المخدرات، وشرب الكحوليات، والتدخين، وممارسة سلوكيات جنسية خاطئة، لدى الأطفال الذين تعرضوا للعنف في مراحل مبكرة من حياتهم، إلى درجة أن إساءة معاملة الأطفال تعتبر من أهم المحددات الاجتماعية للحالة الصحية البدنية والنفسية في المراحل اللاحقة. فمثل هذه الاعتداءات والإساءات تنتج عنها إعاقات بدنية وتشوهات نفسية عميقة، تؤثر سلباً على الإنجازات الاجتماعية والمهنية للشخص البالغ إلى درجة قد تعيق المجتمع برمته عن تحقيق التنمية والتطوير في المجالات المختلفة بما في ذلك المجالات الاقتصادية والسياسية. ويأخذ العنف أشكالاً ومظاهر متعددة؛ منها العنف الشخصي الموجه ضد شخص بذاته كما في جرائم السرقة والاعتداء الجنسي، أو العنف المجتمعي الموجه ضد أفراد المجتمع بدون تمييز كما في الحروب والجرائم الإرهابية، أو أن يكون العنف بدنيّاً من خلال الضرب والقتل، أو أن يكون عنفاً نفسيّاً من خلال السب اللفظي أو التهكم والتحقير، أو عن طريق الأفعال التي تسبب الضيق والإحراج والإهانة للطرف الآخر، سواء كان ذلك أمام آخرين أو خلف أبواب مغلقة. ويعتبر الاعتداء الجنسي أحد أكثر مظاهر العنف الشخصي انتشاراً، حيث تشير الإحصائيات إلى أن 5 في المئة من النساء البريطانيات تعرضن للاغتصاب في مرحلة ما في حياتهن، وفي الولايات المتحدة تتعرض امرأة للاغتصاب أو للاعتداء الجنسي كل دقيقتين، وهو ما يترجم إلى أكثر من 350 ألف حالة اغتصاب سنويّاً، تنتج عنها 32 ألف حالة حمل غير مرغوب فيه. وعلى صعيد العنف المجتمعي، تعتبر الحروب أوضح مثال لفداحة الثمن الإنساني الناتج عن العنف المصاحب للصراعات العسكرية. وهو ما يتضح من حقيقة أن عدد القتلى في الحرب العالمية الأولى زاد عن 40 مليون شخص، بينما تسببت الحرب العالمية الثانية في مقتل 70 مليوناً آخرين. وحتى في السنوات الأخيرة، تسبب الغزو الأميركي للعراق في وفاة أكثر من 100 ألف مدني، حسب مشروع "إحصاء القتلي العراقيين" (Iraq Body Count)، هذا بخلاف الوفيات بين العسكريين ومئات الآلاف من المصابين الذين تعرضوا لإعاقات دائمة، بينما تظل أعداد ضحايا الصراع الدائر حاليّاً في أفغانستان في تزايد مطرد يوماً بعد يوم. ويعتبر العنف الأسري، الموجه من أحد أفراد الأسرة ضد طرف آخر، سواء داخل المنزل أو خارجه، بدنيّاً كان أم لفظيّاً، أحد أشكال العنف الأكثر انتشاراً على الإطلاق. وعلى رغم أن هذا النوع من العنف أصبح يستقطب قدراً كبيراً من الاهتمام على صعيد جهود المنع والوقاية، والتخفيف من آثاره وتبعاته، إلا أن هناك جانباً من العنف الأسري ما زال لا يحظى بنفس القدر من الاهتمام، أو حتى التقدير والاعتراف، وهو العنف الموجه من المرأة ضد الرجل، الذي غالباً ما يقابل بالتهكم والسخرية والاستهزاء. فعلى رغم أن الدراسات تظهر أن عنف الرجال يتسبب في إيذاء بدني أو ضرر جسدي للنساء بمعدلات أكبر، إلا أن الرجال والنساء يتساوون في عدد مرات العنف الموجه ضد الطرف الآخر، وربما قد تزيد مرات العنف الموجه من النساء ضد الرجال. أي أن النساء قد يكن على القدر نفسه من العنف ضد الرجال، ولكن بسبب الفارق في القوة البدنية فقط، تتسبب نوبات عنف الرجال في إصابات أكبر للنساء. وفي حالة ما إذا قصرنا الحديث على نوبات العنف والإيذاء اللفظي وحدها، فربما تتفوق النساء على الرجال بمراحل، وخصوصاً إذا ما أدرجنا التذمر الدائم، والشكوى المستمرة، والإهانات المستترة، كنوع من أنواع العنف والإيذاء النفسي.