إلى أين تسير التنمية الصناعية في دول مجلس التعاون الخليجي؟ ما تأثير المنافسة الإقليمية والعولمة عليها؟ وكيف يمكن للصناعات الخليجية أن تصبح فعلاً مدرة للدخل كمصدر ثان بعد البترول، وموفرة لفرص العمل رفيعة المردود؟ لا تبدو بعض المؤشرات في هذا المجال إيجابية، فقد أظهرت نتائج أولية للمسح الصناعي الميداني، في دول مجلس التعاون الخليجي، أجرته "منظمة الخليج للاستشارات الصناعية"، أن نحو 80 في المئة من المنشآت الموجودة في قواعد المعلومات لا تعد صناعية، بل هي حرف بسيطة، وأن أعداداً أخرى منها لا وجود لها على أرض الواقع. وكانت قواعد المعلومات الصناعية تشير إلى وجود أكثر من 13 ألف منشأة صناعية في دول المجلس. يجمع كل المختصين باقتصاديات الخليج على الأهمية القصوى لتنويع مصادر الدخل، إذ لا يمكن الركون إلى النفط وحده، في سريع التطور لا يعلم أحد على وجه اليقين توجهات التقنية والطاقة فيه. وصدرت مؤخراً، 2010، عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية دراسة مكثفة قيمة بعنوان "التنمية الصناعية في دول الخليج العربية في ظل العولمة"، يعالج خلالها، وفي ثمانين صفحة المستشار الاقتصادي د. محمد عبدالرحمن العسوي، أبرز قضايا وآفاق ومشاكل هذه التنمية. فحتى بداية خمسينيات القرن العشرين، يقول الباحث، لم تتوافر في دول الخليج العربية أي مقومات لقيام صناعة حديثة. فباستثناء توافر النفط الذي كان يتدفق بغزارة، لم تكن العوامل الأخرى، من مقومات الصناعة كالطاقة الكهربائية والبنى التحتية والعمالة الماهرة والموارد الطبيعية اللازمة، موجودة. وفي البداية دخلت الصناعات الحديثة من باب شركات النفط التي أقامت بعض معامل تكرير النفط وفتحت بعض المدارس ومراكز التدريب وأرسلت بعض المتدربين إلى الخارج. ومع تدفق النفط وارتفاع عائداته أُقيمت صناعات حديثة، بما فيها صناعة البتروكيماويات ومنتجات النفط والألمنيوم والحديد، بحيث ارتفعت مساهمة قطاع الصناعة التحويلية خلال أربعة عقود، من 2 في المئة إلى أكثر من 9 في المئة في عام 2007. تنوعت الصناعات الخليجية في مرحلة ما قبل العولمة، إلا أن بعض المنتجات المعتمدة على الطاقة كالألمنيوم، تضاعف إنتاجها بعد أن امتلكت قدرات تنافسية دولية. وتبدو حساسية التنمية الصناعية الخليجية واضحة إزاء الظروف الدولية من خلال إشارة د. العسومي إلى "مصرف الإمارات الصناعي". فقد ارتفع حجم التمويل في المصرف من 35 مليون درهم، أي9.5 مليون دولار، عام 1983، إلى 540 مليوناً، أي نحو 147 مليون دولار أميركي، في عام 2007، حيث تأثرت عمليات التمويل بالأزمة المالية العالمية. "فبالبرغم من توافر السيولة لدى المصرف، فإن تلك الأزمة أدت إلى إحجام المستثمرين الصناعيين عن إقامة مصانع جديدة أو توسعة القائمة منها". ويطل الباحث على التركيب الهيكلي للصناعة التحويلية بدول مجلس التعاون عام 2008 من خلال جدول تفصيلي، نرى من خلال أرقامه أن مجموع عدد المصانع يبلغ 12316، بحجم استثمار يبلغ نحو 150 بليون دولار، يعمل فيها قرابة المليون شخص. معظم هذه المصانع، أي قرابة 3326 مصنعاً في مجال الصناعات المعدنية والآلات والمعدات، و2532 في مجال المنتجات الكيماوية والبلاستيكية، و1548 في مجال الأغذية والمشروبات والتبغ. ولم يفرض هذا الهيكل الصناعي نفسه على الواقع الاقتصادي الخليجي كما ينبغي، ذلك أن حجم الاستثمارات الصناعية، كما يبين د. العسومي، "ظل مرتبطاً بأسعار النفط المستقبلية في الأسواق العالمية، فعند ارتفاع عائدات النفط ترتفع الاستثمارات الصناعية للقطاعين الحكومي والخاص، ويعلن عن تنفيذ مشروعات صناعية كبيرة، والعكس صحيح". مع انضمام دول مجلس التعاون لاتفاقية الجات التي وُقعت عام 1995، تغيرت أولويات التنمية الصناعية والاقتصادية لدول العالم، بما فيها دول مجلس التعاون، مع بداية حقبة العولمة. كيف إذن يمكن للدول الخليجية أن تعيد هيكلة اقتصادها؟ وعن أي الصناعات ينبغي أن تركز جهودها التنموية؟ جواب د. العسومي، "إن دول المجلس تملك أفضليات نسبية في العديد من الصناعات الحديثة، كالبتروكيماويات والألمنيوم ومنتجات النفط والغاز الطبيعي، وتلك المعتمدة على الطاقة بشكل عام". ففي مجال صناعة الألمنيوم نجد شركة ألمنيوم البحرين "ألبا" وشركة المنيوم دبي "دوبال"، إلى جانب ثلاثة مصانع جديدة في كل من أبوظبي ودولة قطر وصحار بسلطنة عُمان، كما أن من المقرر إقامة مصانع مماثلة في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت في السنوات القليلة المقبلة. غير أن هذه الصناعة تعاني من افتقار دول مجلس التعاون إلى بنية أساسية لنقل الغاز الطبيعي بين هذه الدول. وفي الواقع، بضيف الباحث، فإن احتياجات دول المجلس من الغاز لا تقتصر على تشغيل مصاهر الألمنيوم، "بل إنها تمتد لتشمل في الوقت نفسه الطاقة الكهربائية التي يتضاعف الطلب عليها كل عشر سنوات في دول المجلس، تلك الطاقة المعتمدة بشكل كامل تقريباً على الغاز الطبيعي، كما أن هناك عشرات المشروعات البتروكيماوية المزمع تنفيذها في السنوات القادمة، والتي تعتمد بدورها على الغاز الطبيعي كمادة أولية". ويورد الباحث بعض البيانات والتحليلات ليقول مستنتجاً، إنه من خلال دراسة هذه البيانات، "يتضح أن هذه القطاعات الصناعية الثلاثة، الألمنيوم ومنتجات البتروكيماويات وتكرير النفط ومشتقاته، ستشكل الأعمدة الرئيسية الثلاثة لقطاع الصناعات التحويلية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في المستقبل، حيث يتوقع أن تشهد هذه الصناعات تطورات كبيرة في السنوات القادمة وأن تتحول هذه الدول إلى لاعب رئيسي في هذه الصناعات في الأسواق العالمية، على اعتبار أن هذه الصناعات الثلاث تمثل في الوقت الحاضر ما نسبته 70 - 75 في المئة من القيمة المضافة الصناعية المنتجة في دول المجلس". ويشير الباحث إلى مجالات أخرى لا تقل أهمية قد تكون مساندة لهذه المجالات الثلاثة. "كالمشروعات القائمة في أبوظبي لإنتاج بعض أجزاء طائرات شركة إيرباص الحديثة من خلال مصنع Strata لإنتاج المواد المركبة، بالإضافة إلى العديد من المشروعات الصناعية التي تنفذ في نطاق برنامج "مبادلة"، الذي يفتح المجال أمام إنتاج الطائرات والأقمار الاصطناعية وإنتاج أشباه الموصلات في مدينة السيليكون بدبي، وإقامة مصنع لانتاج الخلايا الشمسية في منطقة الجبيل الصناعية بالمملكة العربية السعودية". وتقود هذه الوقائع الباحث إلى القول بتفاؤل، إن المتوقع، "أن تتحول دول المجلس إلى أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة الشمسية في العالم، خصوصاً وأن مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة يقع في عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، أبوظبي، التي تحتضن مدينة "مصدر" ذات الآفاق المستقبلية الواعدة". يضاف إلى هذا كله في رأي الباحث، الدور الكبير الذي تلعبه المناطق الصناعية الحرة، وعوائد الولوج في عصر اقتصاد المعرفة من خلال الصناعات التكنولوجية الرقمية المتطورة، والتي بدأت بشائرها تطل على المنطقة الخليجية من خلال واحة السيليكون في إمارة دبي بدولة الإمارات، وواحة العلوم بدولة قطر، ومشروع المدينة التكنولوجية بمملكة البحرين، ومدينة الملك عبدالله بالمملكة العربية السعودية، وواحة المعرفة بسلطنة عُمان، وإذا سارت الأمور كما ينبغي ووفق توقعات د. العسومي، بما لديه من خبرة نظرية وتنفيذية في المجال الاقتصادي والمالي، "فإن الاهتمام باقتصاد المعرفة يمكن أن يسير بصورة متوازية مع الاهتمام بالمثلث الصناعي الذي من المتوقع أن يحقق مكاسب كبيرة لدول المجلس". الرؤية المستقبلية التي يعرضها د. محمد العسومي في دراسته لمستقبل التنمية الصناعية في بلدان مجلس التعاون محاولة جادة لاكتشاف الأفق التنموي الممكن والقابل للنجاح. وبالإضافة إلى استجابة المشروعات الصناعية الكثيفة المقترحة لمتطلبات التنمية، فإنها، كما يقول، تستجيب كذلك للتركيبة السكانية، وبخاصة تشغيل القوى البشرية المحلية.