مرت أربعة أسابيع على اندلاع الثورة الليبية، ونجحت هذه الثورة في الاستيلاء على مقاطعة بنغازي والمدن القريبة منها، كما نجح الثوار في الاستيلاء على مدن أخرى في وسط ليبيا وغربها، أما العاصمة طرابلس فقد ظلت تحت سلطة القذافي وجيشه، على رغم الاحتجاجات والمظاهرات في بعض الأحياء القريبة منها. ولقد سقط في هذه الثورة المئات من الضحايا من المدنيين ومن الثوار، وقامت الطائرات الحكومية بقصف عشوائي للمدن والمساكن، مما زاد من عدد الضحايا بشكل غير مسبوق. والحقيقة أن الثورتين الناجحتين في كل من تونس ومصر، اللتين أسقطتا النظامين الحاكمين فيهما، وأجبرتا كلاً من بن علي ومبارك على الرحيل، اعتمدتا على مواقف وطنية مستقلة للجيش في هذين البلدين، أما في ليبيا فلم تتمكن الثورة حتى اليوم من تحقيق هذه الأهداف. ويعود ذلك إلى وجود جيش ليبي مفكك وسيطرة أبناء القذافي على كتائب هذا الجيش، والدور الذي لعبه المرتزقة من الأفارقة في سلاح البر والمليشيات، وكذلك الطيارون الذين استقدموا من شرق أوروبا ومن بعض الدول الإسلامية لضرب المتظاهرين العزّل. ويشير هذا بوضوح إلى عدم ثقة الرئيس الليبي في الأفراد والضباط الليبيين الذين رفضوا الانضمام إلى كتائب تقاتل وتذبح أبناء وطنها، ما أجبره على الاستعانة بالمرتزقة الأجانب. والخوف كل الخوف أن تتحول هذه الثورة المسالمة إلى حرب أهلية طاحنة تقتل المواطنين، وتترك ليبيا بلداً مقسّماً وضعيفاً، وغير قادر على إدارة نفسه، وإدارة موارده. وبينما نجح القذافي في الاستعانة بالمرتزقة الأجانب لدعم قواته، فإن قادة المعارضة والثوار لا يرغبون في أن يضعوا أنفسهم ألعوبة بيد القوات الأجنبية، ويريدون تحرير أنفسهم بأنفسهم. غير أن استخدام القذافي للقوات الجوية وضعف الإمكانيات المادية للثوار ستصب في نهاية المطاف لصالح القذافي وزمرته. ولن يتوقف النظام الليبي عن سفك دماء الليبيين حتى آخر قطرة، للمحافظة على النظام، كما صرح القذافي بذلك بنفسه، وصرح به ابنه. والحقيقة أنه مثلما نجحت الثورة التونسية في استهلال عصر جديد في العالم العربي، وبقدر ما كانت سلمية إلى حد كبير، فإن فشل الثورة الليبية سيعني نهاية ما يسمى بالربيع العربي، وإعادة إحياء فترة مظلمة جديدة في تاريخ الشمال الإفريقي. ولنا في دروس أخرى فشلت فيها الثورات حكمة بالغة. فالثورات تفشل بسبب عدم وجود قيادة سياسية موحدة لها وهو عكس ما يحدث في ليبيا، حيث يقوم المجلس الوطني الانتقالي الآن بدوره كقائد سياسي للثورة، حيث أمهل القذافي اثنتين وسبعين ساعة للرحيل، مع احتمال فرصة ألا يقاضيه المجلس والثوار أمام المحاكم الدولية. والثورات تفشل حين تنشق عنها مجموعة أحزاب رئيسية وتنتقل من صفوف المعارضة إلى صف السلطة، وهو ما حدث في الثورة الألمانية عام 1918 وعام 1920. وتفشل الثورات أيضاً حين تتحول من حركة احتجاج سلمي إلى ثورة مسلّحة، وخاصة أن الجماهير لا تملك السلاح الكافي لمواجهة السلطات الحاكمة وقواتها المجهزة بأحدث العتاد والأسلحة. وحينها ستفشل الثورة حتماً لأن ميزان القوى بين الحكومة والثوار سيكون لصالح القوات العسكرية، وسيعني المزيد من الدماء من جانب الثوار والمواطنين العزّل. وتفشل الثورات أيضاً في عدم وجود قوى إقليمية ودولية مساندة لها، سواءً بالعتاد، أو بالمال أو بالقوة الإعلامية، أو القوة الناعمة، التي رأينا تأثيرها العظيم في إنجاح كل من الثورتين التونسية والمصرية. ولا يطلب الثوار الليبيون العتاد والسلاح من الخارج، ويبدو أن لديهم ما يكفيهم في هذا المجال. بل يطلبون قرارات دولية جريئة تمنع القوات الجوية الليبية من استخدام سلاح الجو ضدهم. وعلى رغم تداول مجلس الأمن في موضوع إقامة منطقة حظر جوي على ليبيا، فإن هذا الموضوع لا زال موضوع نقاش وتفاوض بين الدول الكبرى، ولا زالت بعض الدول دائمة العضوية مثل روسيا والصين تعارض مثل هذا القرار، لأنها تخشى من أن تجيّره دول حلف "الناتو" لمصلحتها وتتوسع في نفوذها في مناطق غنية بالنفط في شمال إفريقيا. والراهن أن الثورة الليبية بحاجة إلى دعم عربي وعالمي، وأول هذا الدعم هو حمل الدول الكبرى على إعلان منطقة الحظر الجوي. أما المسألة المهمة أيضاً فهي تقديم العون الطبي والغذائي للشعب الليبي في المدن المحاصرة في الزاوية، وفي بنغازي، وغيرهما من المدن الليبية. وإنه لمن العار أن تصفق الفضائيات لهؤلاء الثوار وتجلس كمتفرج على ما يصيبهم من قذائف القذافي وصواريخه الموجهة إلى بيوتهم. ولا شك أن كلاً من الدول المتاخمة لليبيا لا يمكنها تقديم الكثير من العون لليبيين، ولكن على الدول العربية والإسلامية الأخرى الاستعانة بهيئات الإغاثة الدولية سواءً كانت تحت مظلة الأمم المتحدة، أو كانت تحت مظلة منظمات غير حكومية، لتقديم العون والمساندة الإنسانية عن طريقها، لأفراد الشعبي الليبي. وستظل الكلمة الأخيرة للقذافي وزبانيته الذين يرفضون الرحيل، بينما يطالبهم أبناء شعبهم بذلك، وبعد أن فقدوا أية قوة أخلاقية لممارستهم الحكم في ظل الأعداد الكبيرة من الضحايا من المدنيين. لقد انتهى عهد القذافي، ولكن القذافي يرفض حقائق التاريخ، وهو مغيّب عن واقع شعبه ومعاناته.