لعبت النساء العربيات دوراً بالغ الحيوية في الثورات التي قلبت الأوضاع في الشرق الأوسط، وساهمن بقسط وافر في إنجاح الثورات التي اجتاحت المنطقة، فمن بين أولى الأصوات المؤثرة في ثورة الياسمين بتونس كانت شقيقة محمد البوعزيزي، الشباب التونسي الذي أحرق نفسه ليشعل فتيل المظاهرات التي أسقطت النظام بعدما تحولت إلى ثورة حقيقية انتقل لهيبها إلى كافة المناطق والمدن التونسية. وعن دور تلك السيدة تقول "خديجة شريف"، الرئيسة السابقة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، "بين كل الأصوات التي تحدثت إلى وسائل الإعلام، كان صوت أخت محمد البوعزيزي الأكثر حضوراً"، وهو ما يدفعنا للتساؤل حول ما إذا كانت الثورات الديمقراطية في العالم العربي سترى النور بدون النساء العربيات. فلا شك أن شجاعة النساء ومشاركتهن النشطة أثرت بشكل على الربيع العربي، إذ ساهمن في تشكيل ملامحه الأولى، وأي تقصير من قبل الأنظمة التي يُنتظر انبثاقها من الثورات في الاعتراف بدور النساء سيعرضها للمساءلة. فقد تظاهر الرجال والنساء جنباً إلى جنب وشاركوا سوياً في مسيرات تطالب بالديمقراطية وبإسقاط الأنظمة الديكتاتورية طيلة شهري يناير وفبراير. وبعد خمسين عاماً من النظام والعمل النسائي، أكدت إحدى أشهر المدافعات عن حقوق المرأة في مصر، نوال السعداوي، أنها أحست لأول مرة "بأن النساء والرجال متساوون في ميدان التحرير". ومع احتفالنا بيوم المرأة العالمي الذي يخلد مرور مائة سنة على الإنجازات التي حققتها المرأة في مسيرة النضال من أجل نيل الحقوق والحصول على التعليم والمشاركة السياسية، لابد هنا من الإشارة إلى المرأة العربية التي علا شأنها مؤخراً لدورها البارز في الثورات التي اكتسحت بلادها. فالنساء العربيات كما تقول "نعومي وولف"، مؤلفة كتاب "جمال الأسطورة"، يُختزلن في الغرب على أنهن راقصات شرقيات، أو متدثرات من أعلى رؤوسهن إلى أخمص أقدامهن برداء طويل أسود، ونادراً ما يُتعامل معهن على أنهن نساء عاديات كباقي الأخريات في العالم، وحتى داخل أوطانهن كانت مكانة النساء قد تراجعت كثيراً عن الفترة الزاهرة التي شاركن خلالها في تحرير أوطانهن، في تونس والجزائر ومصر، إذ تم تهميشهن في دولة الاستقلال ولم ينلن حقوقهن، وهو أمر يردن اليوم القطع معه نهائياً. ففي تونس تقول "سهير بلحسن"، رئيسة الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، "خرجت النساء بكثافة إلى الشوارع للمشاركة في ثورة الياسمين للتأكد من أن مطالبهن ستؤخذ بعين الاعتبار، فالنساء مستاءات من تجارب الماضي، فرغم مشاركتهن في معركة التحرر من الاستعمار، وجدن أنفسهن في النهاية بدون حقوق". لكن مع ذلك تستمر بعض المخاوف من تهميش النساء بعد الثورات الأخيرة، بحيث كان لافتاً على سبيل المثال عدم مشاركة امرأة واحدة في اللجنة التي شكلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر والمكلفة بتعديل الدستور، كما نصت إحدى التعديلات على أن الرئيس المصري يجب ألا يكون متزوجاً من سيدة أجنبية، وهو ما يعني أن النساء لا يستطعن تولي منصب الرئيس في مصر. ومع ذلك لم تتوقف النساء قط في العالم العربي عن المطالبة بحقوقهن، كما ترى ذلك "ليلى أحمد"، الأستاذة بجامعة هارفارد قائلة: "لقد شاهدنا التزاماً منقطع النظير للنساء بحقوق الإنسان والديمقراطية، وهو تحد للنظرة التقليدية التي ترى أن النساء مغلوبات على أمرهن وخاضعات لسلطة الرجال". والحقيقة أن النساء على الصعيد العالمي، وكما تثبت التجارب التاريخية، يصلن إلى القمة كلما أتيحت لهن فرصة الذهاب بعيداً في التعليم، ففي الصين مثلاً يقول المثل إن النساء يحتللن نصف السماء، وفي هونج كونج تمثل المرأة نصف الحركة الديمقراطية، أما في الهند فالفتيات عادة ما يتفوقن على زملائهن الفتيان في المدارس الراقية، كما تحتل الطالبات في المدارس الثانوية الأميركية 70 في المئة من نسبة إجمالي الخريجين المتفوقين. ولا ننس أن التعليم في أوروبا الشمالية وبريطانيا دفع النساء إلى تزعم التحول الاجتماعي في بلدانهن. ومع ذلك تستمر مشاكل النساء في العالم العربي؛ مثل العنف الجنسي، والتحيز، وانعدام المساواة، والهوة الشاسعة بين ما تعد به القوانين من حقوق وما يتم تطبيقه فعلاً عن أرض الواقع في المحاكم حتى في البلدان العربية الأكثر تقدمية. غير أنه لا يمكن استثناء العالم العربي من التغيير ليس فقط في شقه السياسي كما تؤكد ذلك الثورات الحديثة، بل أيضاً في بعده الاجتماعي الذي يمس بشكل خاص النساء. فقد أشارت مجموعة من الباحثين الفرنسيين، مثل "إيمانويل تود" و"يوسف كورباج"، إلى التحول الطارئ في المعادلة الديمغرافية، حيث نسبة الولادات في العالم العربي تشهد انحداراً كبيراً من سبعة أطفال للأم إلى طفلين، وبالإضافة إلى تفنيد فكرة الخصوصية الثقافية في العالم العربي، يشير الباحثون أيضاً إلى تزايد عدد الولادات من الإناث، وهو ما يعني حصول النساء على مزيد من التعليم ووصولهن إلى درجات عليا، لاسيما في تونس حيث كان التعليم أحد سياسات التحديث. هذا الوعي عبرت عنه شقيقة البوعزيزي (ليلى) قائلة: "إن أخي ما زال حياً في كل واحد منا، لقد منحنا الكثير وفتح أبواباً أمامنا، وبفضله نستطيع اليوم استنشاق الحرية والديمقراطية". روبرت ماركاند عضو هيئة تحرير "كريستيان ساينس مونيتور" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"