شهد العقدان الأخيران انتشار أشكال مختلفة من "العنف" و"الصراع السياسي" في ظل سعي فئات اجتماعية إلى التحقق سياسيّاً واقتصاديّاً تحت مظلة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وغيرها، وتنامي "الصراعات المسلحة المحدودة بين الدول والجماعات والفرق المتناحرة، داخل الدولة الواحدة، والتي يتم خلالها استخدام الأسلحة التقليدية بمختلف أنواعها، دون أن تتطور الأمور إلى حروب شاملة، يتم اللجوء فيها إلى سلاح غير تقليدي أو حتى توسيع الحرب التقليدية إلى نطاق أكثر اتساعاً. وقد تمتد هذه الصراعات إلى أكثر من دولة، في تلك البلدان التي تسيح فيها القبائل عبر حدودها، وتؤسس سلطانها الموازي لسلطة الدولة، كما هو الحال في الدول الإفريقية جنوب الصحراء. أما المسألة الثانية فترتبط بتحول الصراع الدولي من صراع أيديولوجي- سياسي إلى صراع تجاري- اقتصادي. وقد لا يعني هذا اختفاء الصراعات الأيديولوجية تماماً، كما أنه لا يعني أن السنوات، بل القرون التي خلت، لم تعرف أشكالاً متعددة من الصراعات الاقتصادية، ولكن ما استجد هو غلبة الصراعات ذات الطابع الاقتصادي، حيث التنافس الرهيب بين المراكز الدولية الكبرى على الموارد والأسواق. وهاتان المسألتان تمسان من عدة زوايا موضوع تأمين خطوط نقل الطاقة عبر العالم، حيث صارت الأنابيب التي تنقل النفط والغاز الطبيعي من آباره الواقعة في أعماق الصحاري بالعديد من الدول أوراق ضغط في يد جماعات معينة مناوئة للحكومات المركزية بهذه الدول. وفي الوقت الذي يؤجج فيه هذا الأمر الصراعات المسلحة بين هذه الحكومات وتلك الجماعات، فإنه يعد صدى لصراعات عالمية طاحنة حول الطاقة. فقد تصاعدت في السنوات الأخيرة حدة التنافس على صفقات نقل النفط والغاز الطبيعي، وهو أمر لم يقتصر على شركات الطاقة العملاقة، بل تدخلت فيه قوى كبرى بشكل مباشر، بحيث باتت منطقة بحر قزوين، على سبيل المثال، مكاناً تتصارع فيه مصالح واستراتيجيات أطراف دولية عديدة، وذلك في سياق أن الثروة النفطية، بصفة عامة، تعد سبباً رئيسيّاً للتنافس الدولي، حيث الصراع المرير بين الحكومات والشركات متعددة الجنسيات على هذه الثروة، سواء تعلق الأمر بالتنقيب عن النفط وإنتاجه وتكريره، أم بنقله وتصديره إلى الدول الصناعية الكبرى. وعلى سبيل المثال برزت الصراعات بين تركيا وروسيا وإيران للظفر بالجزء الأكبر من صفقة نقل النفط والغاز من منطقة بحر قزوين، وراحت دول جنوب شرق آسيا تعمل على ترتيب أوضاع سياسية من أجل الحصول على الطاقة من هذه المنطقة. ولأن الولايات المتحدة الأميركية هي أكبر مستهلك للطاقة في العالم، فإنها كثفت وجودها في آسيا الوسطى والقوقاز، ودفعت تركيا وأذربيجان إلى تبني مشروع يجعل من باكو مركزاً لتجميع أنابيب النفط القادمة من الدول المطلة على بحر قزوين، توطئة لتصديره إلى العالم الخارجي، عبر ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط. بل أكثر من ذلك هناك مشروع أعلنت عنه إحدى الشركات الأميركية حول بناء أنبوب يصل مرفأ "بورجاس" البلغاري على البحر الأسود بمرفأ "فلورا" الألباني، للمساعدة في نقل نفط بحر قزوين إلى الولايات المتحدة، وهو ما تزامن مع البدء في تشغيل أنبوب آخر يصل حقل "تنجيز" النفطي في كازاخستان بمرفأ "نوفوروسيسك" الروسي على البحر الأسود كذلك، في حين تستعد بلغاريا لتنفيذ مشروع آخر لبناء أنبوب نفطي من "بورجاس" إلى مرفأ "ألكسندروبوليس" اليوناني على بحر إيجه. ويعتبر النفط، إلى جانب الخوف من تهديد المد الثوري، أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الحرب العراقية- الإيرانية، التي استمرت من عام 1980 حتى عام 1989، حين حاول صدام الاستيلاء على منابع النفط الغنية في غرب إيران، والمشاطئة للخليج العربي، في حرب مدمرة رفعت فيها شعارات للتمويه على هذا الهدف الحقيقي مثل "تحرير الأرض العراقية" و"الدفاع عن البوابة الشرقية للعرب" و"القادسية الجديدة". وللسبب ذاته اجتاح العراق الكويت في أغسطس عام 1990، بدعوى أنها جزء من العراق تارة، وأنها اتخذت إجراءات نفطية أضرت بالمصالح العراقية تارة أخرى. وقد جلبت هذه الحرب تداعيات خطيرة ومزمنة، أظهرت بجلاء مدى عمق وتأثير الدور الذي تلعبه الطاقة في صنع السياسات والاستراتيجيات الدولية. ولم تسلم المناطق التي يوجد النفط فيها بكميات ضئيلة مقارنة بمنطقة الخليج العربي أو بحر قزوين أو بحر الشمال من الصراع حول الطاقة. فقد تردد أن النفط كان أحد بواعث النزاع بين إريتريا واليمن على جزر حنيش، في حين أنه يشكل مأرب المتقاتلين في الحرب الأهلية السودانية، وهو السبب في بعض المشاحنات بين دول غرب إفريقيا.. إلخ. وبالطبع فإن هذا السباق المتصاعد ليس أمراً يدعو للتعجب، في عالم يعتمد على النفط مصدراً أساسيّاً للطاقة. وقد شهد العالم في العقد الأخير تسارع وتيرة العمليات الهجومية التي تستهدف أنابيب نقل النفط حتى بات هذا الأمر يشكل ظاهرة واضحة المعالم. ومن ثم تعقدت الحسابات الاقتصادية لشركات الطاقة العملاقة، إذ لم يعد كافيّاً، وكما كان الوضع في السابق، أن توازن بين العوائد المالية التي تجنيها والتكلفة التي تدفعها، بل بات عليها أن تأخذ في الحسبان المخاطر الأمنية التي تحدق بعمليات إنتاج النفط ونقله وتصديره، لأنها ذات تأثير سلبي، من منطلق العقبات التي توجدها أمام مشروعات الطاقة. ومن هنا ازدادت الضغوط الدبلوماسية التي تمارسها بعض الدول على بعضها الآخر في سبيل إيجاد "ممرات آمنة" لنقل النفط من مناطق إنتاجه وتكريره إلى أماكن استهلاكه في شتى أرجاء المعمورة، ما جعل كثيرين يفكرون في تصور مغاير لذلك الذي يذهب إلى أن ظهور الثروات النفطية في مكان ما يقود بالضرورة إلى أنماط من التنافس والصراع. فالحاجة إلى تأمين العمليات المرتبطة بإنتاج النفط من الممكن أن تخلق حالة من التعاون الذي يتأسس على روابط مصلحية، خاصة حين تجد الأطراف المعنية أن الصراع بينها يؤثر سلباً على مدى استفادتها من الثروات النفطية، بل قد يعيقها تماماً.