سيبقى منظر صدام حسين مكبلاً بالأصفاد ماثلاً أمام قاضي التحقيق رائد جوحي الذي لا يتجاوز عمره عمر أولاد صدام حسين، منظراً محفوراً في الذاكرة العربية الجماعية للعرب شعوباً وحكاماً لزمن طويل. فهو مشهد قد لا يتكرر في زمننا الحاضر والمستقبلي، أن يمثل حاكم عربي وطاغية أمام القضاء... وإن كنت قد طالبت في مقال سابق في "الاتحاد" بأن تكون محاكمة صدام حسين محاكمة عادلة ومن محكمة وقضاء غير مرتبطين بالاحتلال ومن قاض ومدع غير معينين من قبل بريمر، بل من حكومة عراقية كاملة السيادة غير منقوصة، حتى لا يُطعن في شرعيتها وقانونيتها، وحتى لا يتحول المتهم إلى بريء والجاني إلى ضحية وحتى لا تسقط العدالة. ولكن هناك من ارتأى عكس ذلك وسارعت قوات الاحتلال كما ذهبت إليه، إلى تسليم صدام قانونياً للعراقيين وبقي السجان أميركياً وكذلك مكان الاعتقال والحراسة... وتم التسريع بإجراءات المحاكمة لإثبات شيئين غير مقنعين: الأول أن العراق حصل على سيادته وسيحاكم ديكتاتوره السابق. والثاني أن إدارة الرئيس بوش التي لا تخرج الأخبار من العراق إلا بالمزيد من السوء والتي تستمر استطلاعات الرأي في سنة انتخابات حرجة تشير إلى تدهور التأييد الشعبي والحزبي لسياستها في العراق وتخبطها الواضح، وآخرها استطلاع "الواشنطن بوست" يوم الثلاثاء الماضي ،الذي يفيد بأن 55% من الأميركيين يرون أن حرب العراق لم تكن تستحق الذهاب إليها، وتضاف إلى ذلك سلسلة الكتب التي صدرت والتي تشير إلى أن الحرب على العراق أفادت إسرائيل وصرفت نظر أميركا عن الحرب على الإرهاب وساهمت في إعادة تنظيم "القاعدة" لترتيب أوراقه وعملياته.
في المنظور الأميركي ومن يصنع السياسة الأميركية من المحافظين الجدد الذين بدأت شوكتهم في الوهن ستثبت محاكمة صدام حسين والإخراج المسرحي الأميركي لها ، للأميركيين بأن الحرب على العراق كانت محقة وأن ثمارها ليست فقط منع صدام حسين من تطوير أسلحة الدمار الشامل التي أثبتت تقارير الاستخبارات الأميركية ولجان التحقيق في الكونغرس الأميركي ولجنة تقرير باتلر البريطاني بأنها غير موجودة، بل وضع ذلك الديكتاتور في قفص الاتهام، وهذا خبر جيد يأتي من العراق بعد خبر تسليم السيادة المزعومة.
بما أن المحاكمة بدأت ولن تكون محاكمة بسيطة أو سهلة أو قصيرة، فصدام حسين بطرحه للأسئلة عن شرعية القضاء والقاضي ومن تمثل، وبصلفه وغروره يريد أن يؤكد أنه لا زال الرئيس العراقي الذي قاوم الاحتلال، وفي ذلك ضرب من الذكاء واللعب على وتر معاداة أميركا المتغطرسة التي أسقطت نظاماً هو باعتراف الجميع حتى الذين يدافعون عنه من محامين ومنظرين ومحللين في الفضائيات والصحف العربية وغيرها، بأنه نظام ديكتاتوري طاغ.
والسؤال لفريق المحامين المتعدد المواهب من عرب وأجانب وفيهم ابنة العقيد القذافي، ورولان دوما وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، وجاك فيرجيس والأردني محمد الرشدان أشد المتنطحين للدفاع عن صدام هو: كيف يدافعون عن مجرم طاغية؟ هل يبحثون عن الشهرة أم السبب هو العداء لأميركا، أم خالف تعرف؟
إن صحيفة الاتهام الموجهة لصدام حسين والتي قرأها القاضي غير ظاهر الوجه، تتضمن 7 تهم كلها لجرائم حرب وضد الإنسانية في العراق، ومنها مذبحة حلبجة، وقتل رجال سياسة ورجال دين وعمليات الأنفال ضد الأكراد وانتفاضة الجنوب بعد حرب تحرير الكويت والمقابر الجماعية. ومن الغريب ألا تتضمن لائحة الاتهام بالشأن الخارجي سوى غزو الكويت عام 1990، ولم تشمل غزو إيران والحرب الطاحنة، ولا جرائم ومغامرات ونزوات عراقية داخلية وخارجية أضعفت العراق وجعلت جميع العرب تحت الوصاية، ولا دور العراق المخرب في سوريا ولبنان وفي موريتانيا، ولا النعوش المصرية الطائرة. محاكمة صدام سيتم التشكيك في نزاهتها وحيادية الجهاز القضائي المتهم بالعمالة لأميركا وإسرائيل. ووسط الكراهية العربية لأميركا، أخشى ما نخشاه هو تحويل المتهم إلى بريء... ومجرم الحرب إلى ضحية!