لفتت المظاهرات السياسية الاحتجاجية الجارية في عدد من الدول العربية، أنظار العالم وانتباهه، بينما سيطرت التغطية الإخبارية لهذه المظاهرات على مختلف وسائل الإعلام الأميركية منذ يناير الماضي. وفيما يبدو، فإن مشاهدتنا التلفزيونية للأحداث الجارية في القاهرة وتونس وغيرهما من عواصم الدول العربية، على نحو مستمر يومياً، قد تركت أثرها على الطريقة التي ينظر بها الأميركيون إلى المسلمين والعرب، وهو أثرٌ صحي إلى حد كبير. فليس سراً أن موجة الكراهية للعرب والمسلمين تصاعدت عقب هجمات 11 سبتمبر على أميركا. وإلى حد ما، ساهمت استراتيجية "الحرب الدولية على الإرهاب" التي تبنتها إدارة بوش السابقة، في تعزيز نزعة الكراهية هذه. فرغم أن بوش قال إنه يميز بين الإرهاب والمسلمين، فإن سياساته العملية ساهمت في الخلط بين هذين الأمرين في أذهان كثير من الأميركيين. وسعت بعض الجماعات، مدفوعة بأجندتها ومصالحها السياسية إلى تعزيز هذه العصبيات التي استهدفت العرب والمسلمين بالذات. ونلاحظ أن بعض الساسة انتقدوا بناء مركز إسلامي في موقع قريب من برجي مركز التجارة العالمية اللذين دمرتهما هجمات 11 سبتمبر. ومن ناحيتهم حاول بعض الناشطين السياسيين اليمينيين المعادين لأوباما استغلال تلك المشاعر بالقول إن أوباما نفسه كان مسلماً. وفي ذلك ما يشير ضمناً إلى صفة سلبية في الرئيس. كما نشر برنارد لويس سلسلة من الكتب التي حققت أعلى المبيعات، وجّه فيها انتقادات متحيزة وغير منصفة للعرب والمسلمين، وصفهم فيها بأنهم مطبوعون على العنف، ولا إنسانيين، وأن الشمولية والطغيان يجريان في دمائهم. وبسبب كونه أكاديمياً مرموقاً من جامعة مرموقة، فقد صدق الكثيرون ما أطلقه من صفات سلبية مجحفة بالعرب والمسلمين. وبسبب سطحية تفكير الأميركيين الذين لم يحدث لأحدهم أن التقى بعربي أو تعامل معه عن قرب، فقد تهيأ المناخ لانتشار تلك العصبيات والنزعة العدائية للعرب والمسلمين. وبالنتيجة، ساد اعتقاد بين كثير من الأميركيين بأن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ليس سوى نزاع ديني بين المسلمين واليهود، متجاهلين بذلك الجزء الأعظم من تعقيدات ومسببات النزاع، والتي من ضمنها أن انتقادات المسيحيين الفلسطينيين لإسرائيل، لا تقل حدة عن تلك التي يوجها الفلسطينيون المسلمون للدولة المحتلة نفسها. والحقيقة أن جزءاً لا يستهان به من هذه العصبيات يعود ببساطة إلى الجهل، طالما أن معظم الأميركيين لا يعلمون سوى النزر القليل جداً عن الإسلام والعرب. بيد أن العواصف السياسية الأخيرة التي شهدها الشرق الأوسط مؤخراً، يبدو أن لها دوراً واضحاً في تثقيف الأميركيين وتعريفهم بالعرب على نحو أفضل. فعندما تابع الأميركيون عبر شاشات التلفزيون والصحف اليومية، التغطية اليومية الإخبارية للمظاهرات التي اندلعت في تونس، وانتهت بالإطاحة بنظام بن علي، ثم تلك التي شهدتها مصر وانتهت بذهاب نظام مبارك، رأوا لدى الشباب العربي سلوكاً متحضراً، منظماً وبعيداً عن العنف، مما كان له أثره القوي في رسم صورة مغايرة عن العرب عموماً. وأخص هنا أن تلك المظاهرات التي استمرت في ميدان التحرير بوسط القاهرة، وواجه فيها الشباب المتظاهرون عنف قوات الشرطة والأمن ضدهم، وتعاونوا مع الجيش، بينما سارعت الأطقم الطبية إلى معالجة المصابين والجرحى، وحمل المتطوعون الغذاء والماء للمتظاهرين... كانت قد صورت جميعها في لقطات فيديو وصور فوتوغرافية ثابتة، فضلاً عن اللقاءات الحية التي أجريت مع بعض المتظاهرين والناشطين، وتركت أثراً قوياً على المشاهدين وقراء الصحف الأميركيين. وأثارت تلك المشاهد فيهم احتراماً فورياً لهذه الشعوب التي يشاهدونها وهي تناهض طغاتها وجلاديها. وقد ساعد ذلك كله في تبديد الصور النمطية المطبوعة في أذهان الأميركيين عن العرب والمسلمين. كما أعرب الكثير من المحللين وكتاب الأعمدة في الصحف الأميركية عن إعجابهم بما يرونه في بعض الدول العربية. صحيح أنه قد ساءهم كثيراً ما يحدث في ليبيا، لكنهم سعدوا بالانتقال السلمي الديمقراطي للسلطة في تونس والقاهرة، وبما يبدو أنه حوار سياسي جاد وفاعل في عدد من دول المنطقة. ومن بين هؤلاء المحللين والمعلقين، نذكر سلسلة المقالات التي نشرها الكاتب نيكولا كريستوف، من واقع متابعته الميدانية للأحداث في القاهرة وغيرها. وتجدر الإشارة أيضاً إلى الافتتاحية التي كتبها المحلل السياسي ديفيد بروكس في عدد صحيفة "نيويورك تايمز" الصادر في الثالث من مارس الجاري، وتناول فيه قراءة جديدة لكتاب "صراع الحضارات" الذي نشره البروفيسور هنتنجتون. فقد كان من رأي البروفيسور أن المسلمين والمسيحيين واليهود من الاختلاف إلى حد يجعل الصدام بينهم أمراً حتمياً في نهاية المطاف. لكن عندما نظر بروكس إلى حقيقة ما يجري اليوم في شوارع عدد من عواصم الدول العربية والإسلامية، أعلن اختلافه التام مع تلك التقسيمات الحادة التي رسمها هنتنجتون في كتابه المذكور، واصفاً إياها بعدم الموضوعية، خاصةً إن تعلقت هذه التقسيمات الحادة الفاصلة بالمسلمين والمسيحيين العرب. هذا وقد تغيرت نظرة الغرب إلى الصحافة العربية نفسها. ففي عهد إدارة بوش كانت قد وصفت إحدى القنوات الفضائية بأنها بعبع مخيف معاد للغرب ولأميركا على وجه الخصوص. ووصل الأمر إلى درجة منع فيها مسؤولو الإدارة عن الظهور في تلك القناة. وساهمت هذه السياسات في انتشار اعتقاد وسط عامة الأميركيين بأن هذه القناة إرهابية ومتحيزة ولا رجاء في تعافيها. صحيح أن اللغة العربية التي تبث بها القناة وقفت عائقاً أمام مشاهدة الكثيرين لها. بيد أن جمهور المشاهدين الأميركيين وجد مؤخراً في القناة التي تبث باللغة الإنجليزية -التي يتابعونها عبر الإنترنت- أشمل تغطية صحفية مستمرة للأحداث الجارية في العالم العربي. لذلك فقد تغير رأيهم عنها. وهذا ما أكدته وزيرة الخارجية هيلاري بملاحظتها مؤخراً عن ارتفاع عدد مشاهديها في أميركا، لكونها تبث أخباراً حقيقية. وبالمقابل انتقدت كلينتون الفضائيات الأميركية، لأنها مفرطة في بث برامج التسلية والترفيه. وأخيراً نختم بالقول إن الوصمة والعصبيات المرتبطة بالشرق الأوسط في أذهان الأميركيين لا تزال موجودة إلى اليوم، غير أنه أصبح ممكناً محو هذه الصورة السلبية عن كل ما له علاقة بالعرب والمسلمين.