أدى انتشار الانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط مؤخراً، إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وفي تكلفة شراء البنزين في محطات الوقود بالمدن الأميركية. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الأمر. فقبل نحو أربعة عقود أطاح معمر القذافي (27 عاماً في ذلك الوقت) بحكم الملك إدريس السنوسي، وطرد القوات الأميركية والبريطانية من ليبيا، وطالب بزيادة كبيرة في أسعار النفط الليبي الذي كان يوفر 30 في المئة من احتياجات أوروبا آنذاك. وبعد ذلك حذت إيران، والكويت، وقطر، والسعودية، ودول أخرى، حذو ليبيا، وطالبت الدولَ المستوردةَ لنفطها بدفع أسعار أعلى. لكن أسعار النفط المرتفعة لم ترضِ القذافي، ولا "أوبك" حيث طالب الجميعُ بـ"المشاركة في ملكية" شركات النفط، وهو ما كان يعني سيطرة هذه الدول على النفط الذي ينتج في أراضيها. ثم جاء الحظر النفطي إبان حرب أكتوبر1973 لكي يؤكد عملياً أن السيطرة على نفط الشرق الأوسط قد انتقلت من الشركات الغربية إلى الدول صاحبة الاحتياطيات النفطية نفسها. لكن نيكسون كانت لديه سياسة خارجية واضحة لمواجهة ذلك، حيث لجأ إلى دول المنطقة الحليفة للولايات المتحدة في الحرب الباردة -بما فيها إيران - طلباً للدعم، وزودها بالمساعدات العسكرية، وشجعها على التكامل الاقتصادي بينها، آملا أن تتحول إلى ركائز أساسية للاستقرار الإقليمي، والتصدي لمحاولات التغلغل السوفييتي فيها، وضمان تدفق النفط إلى الأسواق الغربية. لم يقدر لهذه الخطة النجاح، حيث سقط شاه إيران، واتبعت باقي الدول سياسة أكثر استقلالية بمنأى عن نفوذ أميركا التي لم تعد المتحكم الوحيد في خيوط العلاقة بينها وبين تلك الدول، بل إن قدرتها على التدخل لتعديل سياسات بعض دول المنطقة، ضعفت نتيجة لحاجتها الدائمة إلى النفط الذي تنتجه. بيد أن المشكلة لا ترجع إلى فشل السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة، وإنما إلى فشل سياساتها الداخلية أيضاً، حيث لم تتبع الإدارات الأميركية المتعاقبة، من نيكسون إلى أوباما، السياسة الصحيحة لإنهاء الإدمان الأميركي على نفط الشرق الأوسط. ولا ترجع المشكلة كذلك إلى قصور من جانب الكونجرس الذي مرر قوانين كثيرة في هذا الصدد، وإنما يرجع لحقيقة أن أميركا لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بحل مشاكلها في مجال الطاقة. فعدد سكانها لا يتجاوز 4 في المئة من سكان العالم، لكنها تستهلك 25 في المئة من نفط العالم. وهي تستورد 50 في المئة من احتياجاتها النفطية حالياً، بينما كانت تستورد 35 في المـئة عام 1973. معنى ذلك أن كافة المحاولات التي بذلتها الولايات المتحدة لتخفيض استهلاكها من النفط، لم تحقق نجاحاً يذكر، ولم تقلل من اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، لدرجة أنها باتت على استعداد للتعامل مع عدم الاستقرار في المنطقة على أنه أمر حتمي، بل تسلم بأنها سوف تدفع نفقات اعتمادها على النفط في نهاية المطاف من مواردها المالية ودماء أبنائها. ومؤخراً وصف أوباما قمع المعارضة في ليبيا بأنه غير مقبول. وهي كذلك بالفعل، لكن الشيء غير المقبول أيضاً، والذي كان على الرئيس أن يشير إليه، هو فشل واشنطن الطويل الأمد في إنهاء إدمانها على نفط الشرق الأوسط. ------- مايكل جيه جرايتز أستاذ القانون بمدرسة الحقوق -جامعة كولومبيا الأميركية ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "أم.سي.تي إنترناشيونال"