في السودان ضجة. كان ينتظر أن تكون ضجة الاحتفال بعودة السلام بين شمال البلاد وجنوبها، فإذا بها ضجة فتح جبهة جديدة للحرب بين شرق البلاد وغربها. فطوال أكثر من ثلاثة عقود اتخذت الحرب الأهلية طابعاً طائفياً، بين الشمال المسلم، والجنوب المسيحي؛ مع العلم بأن الأكثرية الساحقة من سكان الجنوب ليسوا مسلمين ولا مسيحيين. ومع العلم أيضاً بأن أكثر من مليون جنوبي هاجروا إلى الشمال خلال هذه الحرب وأقاموا مدينة على عجل في ضاحية العاصمة الخرطوم. ومع العلم كذلك بأن شخصيات سودانية إسلامية من الشمال ومن الجنوب انخرطت في التنظيم السياسي - المسلح الذي يحارب الشمال والذي يتزعمه جون قرنق الذي نال رتبته العسكرية من إسرائيل!. والآن وبعد التوقيع على اتفاقات السلام (بين الشمال والجنوب) في احتفالات رسمية جرت في نيروبي بكينيا، فتحت على عجل جبهة جديدة في خاصرة الوحدة الوطنية السودانية في إقليم دارفور. والحرب الجديدة المستنسخة عن الحرب التي وضعت أوزارها أو كادت، لا تحمل طابعاً طائفياً هذه المرة، ذلك أن جميع سكان هذا الجزء من السودان هم من المسلمين. ويكاد لا يوجد بينهم مسيحي واحد. أما الطابع الذي ألصق بها فهو الصراع العنصري، بين القبائل المتحدرة من أصول عربية والتي تعرف باسم الجانجاويد، والقبائل المتحدرة من أصول إفريقية. حاولت الحرب الأهلية الأم بين الشمال والجنوب تصوير الإسلام بأنه دين متزمت ومنغلق على ذاته، وأنه يرفض الآخر ولا يستطيع أن يتعايش مع المسيحية.
وتواصل الترويج لهذه الحرب على أنها حرب دينية، مما استنفر المؤسسات الدولية بما فيها الكنيسة التي وضعت إمكاناتها الكبيرة للضغط على الحكومة السودانية. ولا شك في أن حكومات السودان المتعاقبة أساءت أحياناً، وقصرت أحياناً أخرى ليس فقط في توضيح مواقفها، وإنما في التعامل مع أهل الجنوب الذين عانوا طويلاً من الفقر والحرمان وحتى من الحدّ من حرياتهم الدينية. ولقد جاء قانون تطبيق الشريعة على المسلمين بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. ذلك أن هذا القانون الذي عارضه المسيحيون في الجنوب وفي الشمال معاً، يتناقض مع الشريعة الإسلامية ذاتها التي تقول إنه لا يجوز تطبيقها على غير المسلمين إلا إذا طلبوا هم ذلك. وقياساً على الآية القرآنية التي تقول "ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً" فإن فرض تطبيق الشريعة على المسيحيين أساء إلى صورة الإسلام كما أساء إلى صورة الوفاق الوطني بين المسلمين والمسيحيين في السودان وفي إفريقيا كلها.
وفي الوقت نفسه، لابد من الإشارة إلى أن الكنيسة السودانية تختلف عن الكنيسة الإثيوبية كما تختلف عن الكنيسة القبطية المصرية، من حيث إنها كنيسة حديثة قامت على أكتاف المبشرين غير السودانيين. فالمسيحيون السودانيون يشكلون حوالي عشرة في المئة من مجموع السكان، يعيش 90 في المئة منهم في المناطق الجنوبية. وهم ينتمون إلى 28 كنيسة مختلفة أهمها الكاثوليكية والإنجيلية، ويرعاها قساوسة من أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة وسواها.
وتتجمع في دارفور كل العناصر الضرورية لتفجير الأزمة، كما تجمعت مثل هذه العناصر في لبنان في عام 1975 وأدت إلى تفجير أزمته الداخلية الطويلة. وعناصر الأزمة في دارفور - مثل لبنان- هي على نوعين خارجي وداخلي. أما العناصر الخارجية فأهمها: أولا: عندما نشب الصراع بين ليبيا وتشاد حول الصحراء المشتركة بينهما (والغنية باليورانيوم) عمدت ليبيا إلى تسليح القبائل العربية في دارفور -المتاخمة لتشاد- للاستقواء بها. ومنذ ذلك الوقت توفر لهذه القبائل السلاح من كل نوع؛ كما أن القبائل الإفريقية الأخرى حصلت بالمقابل من تشاد ومن فرنسا الداعمة لها، على المال والسلاح. ومنذ ذلك الوقت أيضاً استُدرجت هذه القبائل جميعها إلى صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل!.
ثانياً: زادت الحرب التشادية- التشادية التي انتهت بهزيمة المعارضة المسلحة الطين بلة. فقد لجأت قوات المعارضة التي كانت تؤيدها ليبيا بسلاحها إلى دارفور المجاورة ووجدت فيها الملاذ الآمن في حضن القبائل العربية التي كانت تدعمها ليبيا أيضاً. ومن سوء حظ دارفور أن وقعت حرب داخلية مماثلة في دولة إفريقيا الوسطى المتاخمة لها أيضاً. وقد أدى انهيار الجيش الإفريقي إلى لجوء أعداد كبيرة من رجاله - بأسلحتهم - إلى دارفور حيث انضموا مع زعيمهم باناسيه (الذي كان يتمتع بدعم ليبيا وتمويلها أيضاً) إلى القبائل المسلحة الأخرى. وهكذا تحولت دارفور إلى معسكر لجماعات مسلحة تطاردها حكوماتها... في الوقت الذي كانت حكومة الخرطوم تستنزف عسكرياً ومالياً وسياسياً في الجبهة الدموية مع الجنوب!. وهكذا فإن السودان لا يغالي كثيراً إذا تبنى الشعار اللبناني لاختصار الحرب الأهلية بأنها "حرب الآخرين".
وأما العناصر الداخلية للأزمة، فأهمها: أولا: أن دارفور منتجة للنفط (400 ألف برميل يومياً). وهي تقع على الطريق الذي لابد أن يمرّ عبره خط الأنابيب الذي يحمل النفط.
ثانياً: أن دارفور هي الامتداد الاستراتيجي ل