انفتح ثقب في أديم التاريخ العربي خرجت منه ثورات متوالية بدأت في تونس ثم لحقتها مصر ثم ليبيا، ولهذا الثقب أطراف وأذيال متفرقة في أكثر من مكان في العالم العربي من عُمان شرقاً وحتى المغرب غرباً، وفي اليمن وفي العراق، وفيها غيرها مظاهرات ومطالبات تستوحي شعارات الثورة التونسية الأولى، وتضيف كل منها ما يعبّر عن خصوصية تجربتها. هذا هو الحال اليوم، إنّها ثورات تعبّر دون شكٍ عن انتقالٍ مهمٍ ومثيرٍ من مرحلة تاريخية معينة لمرحلة جديدةٍ بالكامل، قد نعرف المرحلة السابقة، وهي التي شكلت جزءاً من وعي الأجيال، ولكنّنا دون شكٍ لم نزل عاجزين عن استيعاب ظاهرة الثورات الجديدة، ونحاول أن نرسم لها ملامح عامةٍ تقرّبنا من فهمها أولاً ومن ثمّ الكيفية الفضلى للتعامل معها، وفرز إيجابياتها وسلبياتها، والتفريق بين كبر الطموح وإعاقات الواقع. هذه الثورات تشارك في صناعتها الساخطون والحالمون وطبقات متفاوتة وتوجهات متباينة، ولهذا كانت أهدافها واضحةً وسهلةً ومباشرةً وهو ما منحها الزخم المطلوب لتجييش أكبر عددٍ من الناس من شتى الفئات، وغالب الثورات تحتاج لهذا الحشد الذي تجمعه سهولة الغايات ووضوحها وحصول ما يشبه الإجماع عليها، ومن هنا فقد نجحت الثورة في تونس وفي مصر في تحقيق هدفها العام، الذي يتمثل في الشعار المشهور حالياً "الشعب يريد إسقاط النظام"، فهل انتهت الثورة وبدأت الدولة كما هو المفترض؟ حتى الآن فالواقع في البلدين يجيب بالنفي، ويبدو الأفق، وهو يزداد تلبّداً بالغيوم من التناقضات والاضطرابات وفوضى الإرادات. لئن كان الساخطون والحالمون قادرين على صنع الثورات فهم أقل قدرةً على بناء الدول، فالدولة يصنعها ويبنيها العقلاء الواقعيون القادرون عن الفعل واتخاذ القرار وتحمّل مسؤولياته من أبناء الوطن كافةً حسب القدرة والكفاءة، وهؤلاء يعرفون حجم المخاطر التي تحيط بهم وضخامة الأهداف المرتجاة وضعف المقدرات الوطنية سياسياً واقتصادياً على تحقيق آمال الشعوب، ولذلك فهم يمشون حين يتولّون المسؤولية على خيط رفيع بين إمكانات الواقع التعيس وطموحات وأحلام الثائرين. تشظّت الثورة في تونس ومصر بعد النجاح، فبعض الثائرين يبدو وكأنه غير قادرٍ على تصديق أن تظاهرات، كالتي جرت قادرة على خلع أنظمة عتيّة، ومن هنا فهم لم يزالوا في عشى أضواء الثورة الساطعة، والبعض تحوّل التظاهر عنده لغاية في حدّ ذاتها، فأصبح يتظاهر لمجرد التظاهر أحياناً. وهنا ثمة ظاهرة جديرة بالرصد والعناية، وهي أن مثل هذه الثورات يتحوّل أتباعها أو بعضهم لما يمكن تسميته بإدمان الثورة -أتحدّث عن تونس ومصر- بمعنى أن يصبح التظاهر لأي سبب، وإغلاق الشوارع لساعاتٍ هدفاً بحدّ ذاته، وأن يسخط العمّال على أرباب العمل، والموظفون على الوزير أو المدير، في الأعمال الخاصة والعامة، فالعاملون في مصنعٍ ما –على سبيل المثال- يثورون على صاحب المصنع فيقومون بمظاهرةٍ أو اعتصامٍ يطالبونه بمضاعفة الرواتب، وهذا حلم مستحيل التحقيق، وبالتالي يغلق صاحب المصنع مصنعه، ويلقي بآلاف الحالمين إلى الشوارع بلا عمل ولا مصدر دخل، لتزداد معاناة البلاد كما تحدّث بحرقة محمد الغنّوشي الوزير التونسي الأول الذي قدّم استقالته الأسبوع الماضي، وفي مصر لا يكاد يختلف الأمر كثيراً. الثائرون الذين نجحوا في ثورتهم يستغرقهم –في أحيانٍ كثيرةٍ- وهم الطهر الثوري عن رؤية الواقع كما هو، فيصبحون لا يرون في أنفسهم سوى ملائكةٍ لا ينشدون شيئاً لأنفسهم بل يريدون تحقيق مطالبهم التي هي مطالب الشعب بالنسبة لهم، وإرادة تحقيق المطالب إرادة حميدة دون شك، ولكنها مجرّد إرادة، أما تحقيق المطالب على الأرض فيحتاج لكثير من الجهد والعمل والهدوء وانتظام الحياة حتى يمكن إنجاحه، وبمقابل رؤية الثائرين لأنفسهم عبر نظّارة الطهر الثوري يصبحون تلقائياً لا يرون فيمن يخالفهم الرأي من المثقفين المستقلين من داخل بلدانهم أو من خارجها إلا مجرد خونة وعملاء للنظام البائد، وإنْ لم يكن لهم به أي علاقةٍ من أي شكلٍ أو نوع، ومن هنا تبدأ الثورة في إقامة محاكم تفتيش ثقافية، فيصبح همّ الثائرين بعد نجاحهم وهمّ المتعاطفين معهم من خارج بلدانهم، هو محاكمة أي صاحب رأيٍ مختلفٍ واتهامه بشتى أنواع التهم الثورية المعروفة (عميل للنظام السابق، خائن، مرتزق ... إلخ). يغيب عن الكثيرين في مثل هذه اللحظات التاريخية المشحونة أنّ هوية البلدان لا يشكلها النظام أياً كان شكله، بل تشكلها عدة عوامل مهمة منها مستوى الثقافة وعمق التاريخ وانتشار الوعي ونحوها، فالحالمون يحسبون أن سقوط النظام يعني الانتقال لصفوف الدول المتقدمة بين عشيةٍ وضحاها حيث لا فساد ولا تزوير ولا رشوة –كما تحدّث عديدون في وسائل الإعلام- وحيث النظام هو سيد الجميع، وحيث الأخلاق الحميدة ميزة تحث عليها الثقافة ويحميها القانون، وينسى هؤلاء أنّ البشر هم البشر قبل الثورة وبعدها، ومشاكل الأمة لا يحلها سقوط نظام وقيام آخر، نعم قد يكون النظام الجديد أفضل من سابقه حين يحاك على أعين الثائرين الحالمين ولكن البشر سيبقون كما هم حتى تخرج أجيال جديدة برؤية جديدة، وهذا يحتاج وقتاً طويلاً لا تحتمله عادةً طموحات الثائرين التي تتصف بالشمول والسرعة، وربما شيء من التهوّر، حيث يريدون كلّ شيء ويريدونه الآن! إن الثورات على استبداد الأنظمة حين تستمر في زخمها بعد سقوط تلك الأنظمة، تبدأ في تشكيل استبداد الثورة الذي يكون أحياناً أشد وأقسى من استبداد النظام بحكم عدة عوامل منها وحدة المصدر في النظام وتفرقها في الثورة، ومنها حسابات المصالح والمفاسد في الأول والخضوع للشعارات في الثاني ونحو هذا. يمكننا في خضم هذا الحراك الكبير، الذي يشهده الشرق الأوسط والعالم العربي على وجه الخصوص، أن نرصد بعض نقاط التشابه وبعض نقاط الاختلاف، ففي المتشابه كان جيل العولمة حيث "الفيس بوك" و"التويتر" ونحوها هو شرارة الثورة، وفي المتشابه أن الثورتين في تونس ومصر، قد حققت الهدف الكبير لهما، وهو إسقاط النظام، وفي المتشابه أن الثورتين قد فشلتا حتى الآن في الاتفاق على أي شكلٍ من أشكال استقرار النظام الانتقالي. أما في نقاط الاختلاف، فإن لكل بلدٍ منهما خصوصياته وبيئته وثقافته ومجتمعه والتحدّيات التي يواجهها، فسياسياً مصر ليست تونس، وليبيا ليست مصر، والواقع الجاري خير شاهدٍ، هذا فضلاً عن القياس على المغرب أو اليمن أو عمان أو البحرين وما يجري في هذه الدول من تحرّكاتٍ، فالغوص في التفاصيل المهمة أحياناً يكون ذا فائدةٍ كبرى في الفهم والفرز والتفريق. نتمنّى أن يتجاوز التوانسة والمصريون كل التحديات لبناء دولةٍ مدنيةٍ تكون نموذجاً للمنطقة لا أن ينحدروا لأتون الفوضى والاضطراب والمزايدات، فضلاً عن العنف كما جرى في العراق مع اختلاف الظروف، ونتمنّى أكثر أن يتوقّف حمّام الدمّ المؤذي للنفس البشرية في ليبيا، وأن يسود العدل والسلام والحرية في تلك الربوع.