ساركوزي يعيد تحريك ورقة "العلمانية"... وحزمة خيارات صعبة لاحتواء الأزمة الليبية السجال حول دعوة ساركوزي لمناظرة حول "العلمانية ومكانة الإسلام في فرنسا"، ومحاولته اللحاق بركب داعمي الثورات العربية، والخيارات المتاحة للتعامل مع تحديات الأزمة الليبية، موضوعات استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. مناظرة الإسلام صحيفة لوموند نشرت افتتاحية ناقشت فيها أبعاد دعوة ساركوزي وحزبه إلى تنظيم مناظرة يوم 5 أبريل المقبل حول "العلمانية ومكانة الإسلام في فرنسا"، مؤكدة أن المسألة الدينية ظلت باستمرار تشكل أحد أكثر الموضوعات حضوراً في خطاب ساركوزي السياسي والحزبي حتى قبل أن يصبح رئيساً. وعلى عكس أسلافه في قصر الأليزيه لم يتردد ساركوزي يوماً في إثارة قضايا الدين واستعراض قناعاته الشخصية حيالها، والدفع بها، من حين لآخر، إلى معمعة الحملات الانتخابية ومخاضات السجال السياسي والحزبي. ففي أواخر سنة 2007 خرج على التقليد السياسي الفرنسي الراسخ بالحفاظ على حياد الدولة تجاه القضايا الدينية حين تحدث في خطاب عام عما سماه "الجذور المسيحية لفرنسا"، داعيّاً للنظر إلى العلمانية بمعناها "الإيجابي"! وفي مطلع شهر فبراير المنصرم انتهز فرصة الحديث في مأدبة عشاء نظمها المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا للتذكير بما سماه، هذه المرة، بـ"الجذور اليهودية" لفرنسا، ليعود مجدداً يوم 4 مارس، أمام مقر ديني مسيحي داعيّاً إلى التعامل "دون عقد" مع "تراثنا المسيحي"، مؤكداً أن حماية هذا التراث ترقى إلى مستوى "الواجب السياسي". والآن ها هو يطلق، بطريقة استعراضية، ودون حرج، الدعوة إلى المناظرة حول مكانة الإسلام في فرنسا، مع أن تداعيات السجال حول التعايش و"الهوية الوطنية" الذي جرى في خريف عام 2009 ما زالت أصداؤها السلبية تتردد حتى الآن. ولكن لماذا هذا السجال أو المناظرة؟ الكل يعرف أن الدعوة إليه الآن تأتي لأغراض سياسية: إن الأمر يتعلق بمسعى شبه مكشوف لكبح جماح صعود حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف وزعيمته الصاعدة مارين لوبن، وذلك من خلال محاولة اختطاف معلنة لأكثر أوراقه صخباً وفجاجة، وهي الاستثمار السياسي في الخوف من الآخر، وادعاء وجود خطر "أسلمة" داهم يهدد بتقويض دعائم العلمانية والهوية الفرنسية. وتعلق لوموند على هذا التكتيك السياسي من قبل حزب ساركوزي قائلة إن أي توظيف للمسألة الدينية لأغراض حزبية وسياسية خطير للغاية، حتى لو اتفقنا على أن الوجود الإسلامي يطرح على المجتمع الفرنسي مشكلات خاصة، من قبيل محاولة بعض المسلمين المتشددين فرض نمطهم العقدي الخاص، أو الدفاع، على سبيل المثال، عن ثقافة تهميش المرأة. ولكن محاولة تعميم سلوك أفراد قلة على كل المجموعة المسلمة الفرنسية، وعدم الاعتراف أيضاً بفشل السياسات المدينية والاقتصادية في تحفيز الاندماج، من شأنهما أن يوسعا من مشاعر الاستياء في صفوف الأغلبية الصامتة من المسلمين الفرنسيين. ولابد هنا من التذكير بأن الرئيس ينبغي أن يكون رئيساً "لكل الفرنسيين"، تماماً مثلما أنه بحسب الدستور يعتبر ضامن وحارس "الجمهورية العلمانية"، وهو ملزم باحترام "جميع العقائد"، ولذا فلا داعي لتحوير دوره، في المسألة الدينية، من أجل مزايدات وأغراض حزبية، لا طائل من ورائها. ساركوزي و"الثورات" في افتتاحية أخرى بصحيفة ليبراسيون انتقد الكاتب فرانسوا سيرجان تردد وبطء استجابة الرئيس الفرنسي لما سماه "الربيع العربي" المستمر هناك على الضفة الأخرى من البحر المتوسط. واليوم بعد مرور شهرين على حرق البوعزيزي لنفسه ها هو ساركوزي يعترف أخيراً بأن الشعوب العربية قد أمسكت مصيرها بأيديها، باسم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. وهي كلها قيم كونية، لحسن الحظ أصبحت ضفتا المتوسط تشتركان في تبنيها، منذ الآن فصاعداً. ومع هذا فإن صمت فرنسا المطبق تجاه هذه التحولات التاريخية سيبقى مع ذلك إحدى نقاط ضعف هذا الرئيس الذي يحب دائماً الظهور بمظهر رجل الدولة. وقد تخلفت فرنسا بامتياز عن الموعد العظيم مع التاريخ المضروب على أبوابها عند اندلاع الثورات العربية الراهنة في شمال إفريقيا. ونظراً لارتهانه لحسابات سياسية داخلية خاصة احتفظ ساركوزي أكثر مما يلزم بوزيرة خارجية تآكلت مصداقيتها بشكل خطير، في وقت كانت فيه فرنسا في أحوج ما تكون لإسماع صوتها عاليّاً. وكان ساركوزي هنا يتصرف كما لو أن الحفاظ على القاعدة الشعبية لحزبه أهم بكثير من ثورات طرابلس والقاهرة وتونس. وعلى ذكر الثورات نشر "جان ترتيريه"، الخبير بمؤسسة الدراسات الاستراتيجية بباريس، في صحيفة لوموند تحليلاً سياسيّاً بعنوان "ثورات عربية غير متوقعة" رصد فيه حقيقة إخفاق مراكز الدراسات والمؤسسات الاستخبارية، والخبراء والمحللين، في توقع ما جرى في بعض البلدان العربية من ثورات مع مطلع هذا العام، منهيّاً تحليله بالقول "إن علينا تقبل حقيقة أن «القطائع الاستراتيجية» من قبيل ما نراه الآن، لا يمكن التنبؤ بها، من الأساس". مخاض الأزمة الليبية في افتتاحية صحيفة ليبراسيون قال الكاتب "فينسان جيريه" إن على المجتمع الدولي بذل كل الجهود الممكنة لوقف المجازر، وتجنب حدوث أكثر السيناريوهات قتامة في ليبيا العقيد القذافي، الذي أظهرت تصريحاته الأخيرة مدى صعوبة وتعقيد الموقف. وإزاء المأساة الجارية، لاشك أن الغربيين، وخاصة فرنسا، مدينون بإصلاح كثير من الأخطاء السابقة في هذه المنطقة من العالم. ولكن هذه البداهة تصطدم أيضاً مع بداهة أخرى يصعب القفز عليها أو تجاهلها: حيث يتعذر تقديم يد المساعدة لشعب آخر، بالتدخل، دون معرفة رأيه في ذلك، أو حتى على رغم إرادته ورغبته. ولو وقع ذلك فمآل أي تدخل أن ينتهي إلى كارثة. ولكن هذا، على كل حال ليس مبرراً كافيّاً لعدم التصرف، أو الفرجة، والعجز، بل إن على المجتمع الدولي واجب ملح الآن بالاتفاق على نقطة محورية هي: أن يكون على أهبة الاستعداد للتدخل متى ما طلبت منه ذلك القيادة البازغة لحركة الاحتجاج الليبية. ومثل هذه الاستعدادات، سواء على المستوى الدبلوماسي أم العسكري، تستلزم كثيراً من الجهد والتنسيق. وقد اقترح العديد من الخبراء إجراءات وتدابير انتقائية محددة لتكثيف الضغط على نظام طرابلس، من قبيل فرض منطقة حظر طيران جوي لتسمير طائرات النظام على الأرض وضمان عدم استخدامها لقمع المحتجين. وإضافة إلى ذلك ينبغي أيضاً تفعيل أسلحة أخرى، سياسية، هذه المرة: مثل دعم تحرك محكمة الجنايات الدولية تجاه الأزمة، وتجميد ممتلكات الأشخاص المشتبه في تورطهم في أعمال القمع... الخ. وتختم ليبراسيون افتتاحيتها بالقول إنه لا أمل للأوروبيين، بعد اليوم، في تحقيق مصالحة مع الشعوب العربية، دون أن يثبتوا قدرتهم على التصرف بحزم تجاه نظام طرابلس. أما في افتتاحية صحيفة لوفيغارو المعنونة: "ليبيا: لا لمنطقة حظر الطيران" فقد عارض الكاتب بيير روسلين فكرة فرض منطقة حظر طيران على الأجواء الليبية، مؤكداً أن الخيارات محدودة، في مواجهة مقاومة النظام الليبي اليائسة. وقد لقيت المجازر بحق المحتجين الليبيين إدانة بإجماع. وما زال دور المجتمع الدولي في الصراع سياسيّاً إلى حد الآن، لأن الجميع ما زالوا يتمنون أن يتمكن الليبيون أنفسهم من تحقيق الخلاص من النظام الديكتاتوري، مثلما تمكن التونسيون من تنحية نظام بن علي، وتخلص المصريون من نظام مبارك. والحقيقة أن القذافي، لا يتمنى في الحقيقة، سوى مسألة واحدة: تدخل عسكري أجنبي يسمح له بتقديم نفسه كضحية -وبطل- في مواجهة قوى غربية كبرى. ولهذا السبب ينبغي توخي أقصى الحذر تجاه التدخل العسكري. ومع أن فكرة فرض منطقة حظر طيران، التي تتطلع لإنفاذها الولايات المتحدة، يمكن أن تكون مؤشراً قويّاً على بداية نهاية النظام، ولكن، في المقابل، يمكن أيضاً أن تلقي إليه طوق نجاة. وهنالك خيارات أخرى عديدة يمكن أن تسمح للمجتمع الدولي بالوقوف على الجانب الصحيح من التاريخ، حيث يمكن العمل، مثلاً مع مصر وتونس لدعم المعارضة الليبية، وكذا الانخراط بقوة وزخم في عمليات إغاثة ودعم إنسانية لمساعدة الليبيين على إعادة بناء بلدهم. ولكن حذار من مساعدة القذافي على تحويل ثورة عربية من أجل الديمقراطية إلى انتفاضة ضد التدخل الغربي، يقول الكاتب. إعداد: حسن ولد المختار