لا يكتفي البشر بالأكل والشرب والرفاه، ومهما عاشوا حياة رغدة تتوافر فيها كل أسباب السعادة المادية فإنهم قد يجدون أنفسهم في حاجة ماسة إلى تقييم وجودهم، وتحديد ما إذا كانوا يحيون حياة كريمة أم حياة بشعة رخيصة، وهم دوماً يسعون إلى الحكم على قيمة الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها، والغايات العريضة الكامنة وراء ما ينهضون به من أفعال. ويريد البشر دوماً معرفة ما إذا كان مسلكهم حسناً أم رديئاً، منصفاً أم ظالماً، معقولاً أم ينطوي على حماقة وجنون، لأنهم يريدون تبرئة ساحتهم في نظر أنفسهم أولاً، ويتيقنوا من أن أسلوب المعيشة الذي اختاروه، يتصف بالخيرية، ويتم على أساس صائب أخلاقيّاً. ويقود الشعور بالكرامة إلى ميلاد اتجاهات وقيم سياسية إيجابية، لا غنى عنها لأي مشروع وطني يقوم على الممانعة والمقاومة. فهذه القيم وتلك الاتجاهات والتوجهات تحصن الإنسان نفسيّاً وعقليّاً ضد العناصر التي تعمل على تآكل روحه وتداعي قدرته على الصمود، وهي تسهم بطريقة جلية وملموسة في صنع الإطار العام الذي يحكم نظرة الإنسان إلى الأمور، وحكمه على المواقف والأحداث والشخصيات والأفكار. وكلما كان هذا الإطار متماسكاً منيعاً، تضاعفت إمكانيات التصدي لـ"الآخر المُعادي"، سواء كان العدوان متجسداً في جيوش وعروش، أو متمثلًا في أفكار ورؤى، أو متضمناً في استراتيجيات وخطط وحيل ومكائد. وأول الاتجاهات التي يصنعها شعور الإنسان بالكرامة هو حيازته "الاقتدار السياسي"، الذي يبدأ بتقدير الذات Self Esteem، وهو يقوم على حكم الفرد على أهميته الشخصية، فإن رفع من قدرها، واعتز بها، امتلأ شعوراً بأهميته، وجدارته بالاحترام والتقدير، وامتلأ ثقة في صحة أفكاره وميوله. وعلى العكس من ذلك فهو إن أبخس نفسه، وحط من منزلتها، فسيتضاءل شعوره بقيمة شخصيته، وسيصاب بإحساس بأن الآخرين يلفظونه، وأنه عاجز عن فعل ما يريد. والحاجة إلى التقدير تشير إلى معنيين رئيسيين الأول هو الحاجة إلى القوة والإنجاز والكفاية والتمكن، والثاني هو الحاجة إلى السمعة والمكانة والشهرة والفخر والأهمية، فإن أشبع الإنسان هذه الحاجات امتلك الشعور بالثقة، وأحس بأن له قيمة في الحياة، وليس مجرد رقم في طابور طويل لا ينتهي، أو عالة على الدنيا. وحيازة الاقتدار والثقة السياسية تؤدي بالإنسان إلى "المشاركة السياسية"، أي انخراطه في الأنشطة التطوعية التي يهتم بها مجتمعه المتعلقة باختيار الحكام، وصياغة السياسة العامة، وذلك ابتداء من البحث عن المعلومات، والمساهمة في الجدل العام القائم، وانتهاء بالانخراط في حزب أو تيار سياسي معين أو الترشح للانتخابات، مروراً بحضور الاجتماعات والتبرع بالمال، والتواصل مع الشخصيات السياسية، والمشاركة في الحملات الانتخابية. وهذا الصنف من المشاركة له خصائص تتمثل في "الفعل" الذي يعني حركة الجماعة حيال تحقيق أهدافها ومقاصدها العامة، و"التطوع" الذي ينجم عن شعور الفرد بالمسؤولية الاجتماعية تجاه هذه الأهداف، و"الاختيار" الذي يضمن للفرد أن يساند الفريق السياسي الذي يحقق مصالحه، وصالح الوطن. وتعد المشاركة على هذا النحو نوعاً من "المقاومة الإيجابية" لأنها تصب في التيار العام الذي يرفض الاستبداد، من خلال التمسك بمباشرة الحقوق السياسية. والفرد المشارك إيجابيّاً، أو المنتمي، يكون متهيئاً للانخراط في صفوف المقاومة والدفاع عن الوطن، إن تعرض لغزو أو اعتداء خارجي. أما ثاني هذه الاتجاهات فيتمثل فيما يؤديه الشعور بالكرامة من نزوع الفرد نحو التحرر والحرية، فالكفاح من أجل الكرامة يشترك في كثير من الجوانب مع النضال من أجل الحرية. وإعلاء قيمة الحرية يقود الفرد إلى مقاومة التسلط، فالإنسان المقهور يسعى لحل مأزقه الوجودي والتخفف من انعدام الشعور بالأمن، والتبخيس الذاتي الذي يلحق به، جراء وضعية الرضوخ، عبر التماهي بالمتسلط والذوبان في عالمه ونظامه، وتمثل عدوانيته وطغيانه ونمط حياته وقيمه المعيشية، ورفع مكانته، وتثمين كل ما يمت إليه بصلة، وذلك في ظل هروب واسع من الذات، وتنكر فاضح لها، وتهرب من الجماعة، وتنصل من الانتماء إليها. والنزوع إلى الحرية، القائم على الشعور بالكرامة، يحمي الإنسان من الوقوع في فخ التسلط على الناس، والانزلاق إلى أعمال وممارسات استعراضية. فالكريم يحترم الآخرين، عن اقتناع بأن هذا هو المسلك الصائب في الحياة، وعن رغبة في أن يقابل منهم باحترام شديد، لأن الإهانة في نظره أقسى من أن يتحملها، وإن جرت وتكررت فهي تمس كيانه ووجوده، وهو أمر فوق طاقة المقاوم والمناضل الحقيقي. وثالث هذه الاتجاهات يتمثل في إعلاء الممتلئ شعوراً بالكرامة للوجود الإنساني، مفضلاً إياها عن التملك، الذي يدور حول الغرائز، التي إن انصاع الإنسان لها، ورضخ لإلحاحها، صار أقرب إلى الحيوان. أما الكينونة فتسلك طريقاً مختلفة، تتعبد فوق الحاجة إلى الانتماء والتعالي أو التجاوز، والحاجة إلى الارتباط بالجذور والهوية، والحاجة إلى إطار توجيهي، يحكم الفهم والسلوك. والميل إلى الكينونة أو الوجود يحمي الإنسان من التردي في الجشع والحسد والعدوان، والانسحاق أمام المادة ومنطق السوق المتوحشة، ويمده بمتعة التجربة المشتركة، والتحلي بالقيم الإنسانية السامية، وهي حالات وأمور غاية في الأهمية والحيوية بالنسبة للمقاوم، الذي يجب أن يكون مستعدّاً في أي وقت لأن يدفع روحه ثمناً للدفاع عن القضية التي يؤمن بها. وهنا يأتي الاتجاه الرابع الذي يرسبه الشعور بالكرامة في نفس المقاوم وعقله، ألا وهو "الولاء"، الذي يعني الارتباط وعياً وسعياً بمجموع الشعب، والميل إلى ما يتبناه من قيم وأفكار، وما يصبو إليه من أهداف ومصالح. ويعني كذلك "الروابط والعواطف المعنوية والقانونية التي تربط الفرد بجماعة أو مؤسسة أو وطن". ومثل هذا الشعور يبلغ مكانة من المقاومة تماثل تلك التي يبلغها الدم من حياة الإنسان، فلا مقاومة من دون ولاء، فالمنتمي فقط هو الذي يحوز استعداداً للدفاع عن المعتقدات والمعاني والأفكار التي يؤمن بها، والذود عن الشخصيات الاعتبارية والإنسانية التي يرتبط بها.