قراءة فرنسية في الثورات العربية... وفرص جديدة للشراكة المتوسطية ما زالت التحولات الأخيرة في مصر وتونس والاحتقان اللاحق في أكثر من ساحة عربية تستقطب اهتمام الصحف الفرنسية، لجهة تداعياتها على الضفة الشمالية من المتوسط، ثم الأفق الذي تتجه إليه داخل البلدان العربية نفسها، وكذلك تجاه الصراع العربي- الإسرائيلي. وفيما يلي قراءة موجزة في بعض العناوين، والافتتاحيات. درس العرب للغرب بعد لهاث عاصفة التغطية لإعلامية لثورتي تونس ومصر، بدأت كبريات الصحف الفرنسية الآن تلتقط أنفاسها وتنشر مقالات تحليلية حول دلالات الحدثين وإسقاطاتهما الذهنية والسياسية على الضفة الشمالية من البحر المتوسط، وفي هذا السياق جاء تحليل نشرته صحيفة لوموند للفيلسوف "آلان باديو" تحت عنوان: "تونس ومصر: عندما تعصف رياح الشرق بغطرسة الغرب"، اعتبر في مستهله أن اتجاه رياح التغيير والتأثير قد تغير الآن بشكل جذري، فبدل غرور الغربيين الذين ظلوا لزمن طويل يعتبرون أنفسهم سادة العالم، وأنهم الجديرون بإعطاء الدروس للآخرين في طرائق التسيير والتدبير السياسي، ها هو الشرق يعيد الإمساك بزمام المبادرة باعتباره الملهم والمؤثر والقادر على إعطاء الدروس في مجال التغيير السلمي، والتأثير الإيجابي الشعبي في تسيير العمل العام. وهنا يتساءل الكاتب: أليس من المضحك حقاً أن نرى الآن بعض المثقفين الغربيين يتنطعون لإعطاء الدروس للشعبين التونسي والمصري حول معاني وأبجديات بناء "الديمقراطية"؟ ما هذه الأوهام الاستعمارية المعششة في الأذهان؟ وأكثر من هذا، ألا تعاني المجتمعات الغربية نفسها منذ ثلاثة عقود من كافة أشكال البؤس والعقم السياسي، دون أن تتمكن من تطوير آليات للتحرك الشعبي المؤثر، مثلما توصل إلى ذلك شعبا تونس ومصر؟ ولهذا السبب، لماذا لا يقلب المثقفون الغربيون المسألة على جانبها الآخر، ليتخلصوا من قليل من الأوهام الذاتية والصور النمطية ليعترفوا أخيراً بأن على المجتمعات الغربية اليوم فهم ما جرى هناك في الضفة الجنوبية من المتوسط ودراسته، عن قرب، لمعرفة الكيفية التي تمكنت بها تحركات شعبية، وموجات منظمة من العمل الجماعي من قلب نظامي حكم قويين وقابضين. وباختصار، يقول الكاتب: "نعم، إن علينا نحن الغربيين أن نكون تلاميذ في مدرسة هذه الحركات الشعبية، بدلاً من أن ننتحل صفة الأساتذة البلداء لها"! كما ينصح أيضاً الغربيين بالتعلم من الطريقة التضامنية المنظمة التي أدار بها الناس في تونس ومصر شؤون حياتهم اليومية في أشد اللحظات انفلاتاً وغياباً للنظام. أما الكاتب فينسان جيري فقد كتب افتتاحية لصحيفة ليبراسيون تحت عنوان "براكين" قال فيها إن مد الديمقراطية حالة جديدة في العالم العربي، ما في ذلك شك، ولكن يلزم الاحتراز أيضاً بالتأكيد على أن انتصارها هناك ما زال غير مكتمل. ومع هذا فإننا نرى الآن التاريخ وهو يتخلق أمام ناظرينا، منقولاً على الهواء "مباشر" على شاشات الفضائيات. والآن بعد أسبوع من نهاية النظام المصري السابق، وشهر من سقوط النظام التونسي، ينبغي الاعتراف أيضاً بأن التحديات ما زالت متكاثفة في البلدين، وبأن جميع السيناريوهات تبقى مطروحة، وإن كان العنصر الإيجابي الأبرز هو أن ما تحقق في البلدين لم يكن ليرى النور لولا أن الجيشين التونسي والمصري قررا في آخر لحظة الانحياز لخيارات الشعبين والامتناع عن التورط في حمام دماء. ويختم الكاتب بالقول إن انتصار الشعب المصري وكذلك التونسي سيكون له تأثير واسع في عدة بلدان من العالم العربي، وقد بدأت أصداؤه تتردد الآن في البلدان التي نشبت فيها حالة الاحتقان والتجاذب. وأخيراً اعتبر الكاتب "جان- كريستوف بلوكين" في افتتاحية "لاكروا" أن في مقدمة التحديات المطروحة على تونس ومصر حقيقة أن الواقع السياسي تغير بالفعل، فيما الواقع الاقتصادي والمعيشي ما زال على حاله. ففي مصر ما زال ثلثا السكان من دون دخل ثابت، كما أن الأسبوع الماضي شهد الظهور المفاجئ لآلاف المهاجرين التونسيين، غير الشرعيين، على شواطئ جزيرة "لامبيدوزا" الإيطالية، في إشارة دالة على أن تحدي علاج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية سيكون هو أولوية الأولويات في البلدين، خلال المرحلة المقبلة. لحظة الاتحاد من أجل المتوسط تحت هذا العنوان اعتبر الكاتب بيير روسلين في افتتاحية لوفيغارو أن التحولات الواقعة الآن في الضفة الجنوبية من البحر المتوسط تتيح فرصة ذهبية لإعادة تنشيط وتفعيل مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط" الأثير إلى قلب الرئيس الفرنسي، وذلك لأن أكثر ما عرقل تفعيل المنظمة هو تعقيدات وإسقاطات صراعات المنطقة الشرق الأوسطية وخاصة منها الصراع العربي- الإسرائيلي. واليوم وضعاً في الاعتبار الواقع السياسي الجديد الذي تكشفت عنه الثورات العربية يبدو من المواتي تماماً إعادة إطلاق شراكة بين ضفتي المتوسط قائمة على مشروعات عملية ملموسة، وهي شراكة تبدو الحاجة إليها اليوم أقوى مما كانت عليه في أي وقت سابق. وفي هذا المقام، من يستطيع تجاهل أهمية نجاح وخطورة فشل، عملية الدمقرطة البازغة على الضفة الجنوبية، وأثر ذلك على فرص الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي في الضفة الأخرى الشمالية؟ وإذا كان الجانب الأوروبي كان يتحجج بعدم قدرته على حشد دعم داخلي لمد يد العون لنظم فاسدة في الجنوب، فقد تغيرت معطيات هذه المعادلة الآن، أو هي، على الأقل، آخذة في التغير. ولاشك أن خصوم الاتحاد من أجل المتوسط ومعارضيه سيستمرون في المحاججة بأن هذه المنظمة ليست سوى إطار فارغ من دون مضمون أو دور، وأنها كانت قائمة على نظامي مبارك وبن علي اللذين طويت صفحتهما الآن. ولكن المشكلة، هي ما نبه إليه في باريس رئيس الوزراء الجزائري السابق مولود حمروش محذراً من أن الناس يريدون من الاتحاد من أجل المتوسط حل مشاكل سابقة عليه بخمسين سنة، مثل الصراع العربي- الإسرائيلي، وصدوع انقسام الدول المغاربية، وغيرها من قضايا وتعقيدات قديمة. هذا في حين يظهر لنا الواقع اليوم أن الأجيال العربية الصاعدة تبدو مهتمة أكثر بالمستقبل وآماله وليس بالماضي وآلامه. ولذا فإن ثمة فرصة سانحة الآن، يقول الكاتب، يتعين اغتنامها لإعادة الدفع بالاتحاد من أجل المتوسط، كما تفرض ضغوط اللحظة على أوروبا الإمساك بزمام المبادرة مجدداً لمواكبة التحولات الراهنة في العالم العربي، وهنا ينتظر فرنسا دور محوري في إعادة بناء العالم المتوسطي، على أسس شراكة قوية جديدة. الثورة العربية وإسرائيل الكاتب والفيلسوف أندريه غلوكسمان كتب مقالاً في صحيفة لوموند بعنوان "الصراع مع إسرائيل لم يعد محوريّاً" نبه في بدايته إلى ظاهرة عدم وجود صور للمحتجين في الثورتين التونسية والمصرية وهم يحرقون علمي إسرائيل وأميركا، أو يدوسون صور زعيميهما، أو يهتفون "الموت لإسرائيل" وغيرها من مشاهد كانت مألوفة في كافة حركات الاحتجاج والتظاهر في الشارع العربي. وباستثناء أحداث منعزلة مثل مهاجمة مراسلة أجنبية في القاهرة ووصفها بأنها "يهودية" وكذلك محاولة جماعة متشددة التعرض لكنيس يهودي في تونس، فإن مهاجمة إسرائيل لم تكن في مقدمة اهتمامات المحتجين، الذين كانوا في أوقات معينة مطلقي الحرية في التصرف خاصة في لحظات الذروة في الانفلات الأمني وغياب الشرطة والسلطة. ويعتبر الكاتب أن دلالة هذا التراجع في استهداف إسرائيل ورموزها تستحق الرصد والتفسير، وذلك لأن الصراع العربي- الإسرائيلي، حسب رأيه، لم يعد هو محور العالم أو مركزه بالنسبة لأجيال الشباب في العالم العربي. ويمضي "غلوكسمان" قائلاً إن التونسيين والمصريين في بداية عام 2011 أثبتوا أنهم أكثر واقعية وعقلانية من خبراء "الجيوبوليتيكا" الأكاديميين، ولذا حين أعلن المجلس العسكري في مصر احترامه لكافة الاتفاقات الدولية بما فيها اتفاقية السلام مع إسرائيل لم ترتفع أصوات الاحتجاج من قبل ثوار ميدان التحرير، الذين يدركون، دون شك، أو أولوياتهم اليوم مختلفة، وأن لديهم من العمل الداخلي في قضايا الاقتصاد والإصلاح ما هو أجدر بالاهتمام من الالتفات إلى الصراعات الخارجية، وفي مقدمتها الموقف من إسرائيل. إعداد: حسن ولد المختار