قلت في الأسبوع الماضي إنني أتفق مع الرأي الذي يعتبر أن مثول الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، ومعه بقية أعضاء القيادة العراقية السابقة، أمام المحكمة لتلقي التهم الموجهة إليهم يمثل سابقة تاريخية عربية. وكل من حاول أن ينظر إلى هذا المشهد من زاوية مختلفة عن ذلك إنما يعبر عن مكابرة لا مبرر لها. لكن من ناحية أخرى لابد من الاعتراف أيضا بأن السابقة التاريخية المتمثلة في مشهد المحاكمة إنما تكمن في حقيقتها كبداية، أو كخطوة أولى لما هو قادم، أو لما تؤشر إلى أنه قد يتحقق في قادم الأيام. المحاكمة بهذا المعنى تبقى من دون إطار، أو من دون سياق سياسي وقانوني يؤكد على طبيعتها كسابقة تاريخية. لا يقل أهمية عن ذلك ما يقوله مشهد المحاكمة عن طبيعة السقوط الذي انتهت إليه القيادة العراقية السابقة. وأن هذا السقوط، يبدو الآن أنه جاء نتيجة طبيعية لحالة الجمود السياسي والاجتماعي الذي انزلق إليه المجتمع العراقي تحت حكم البعث خلال أكثر من ثلاثين سنة مضت. في هذا يشترك النظام العراقي السابق مع نظام الشاه السابق أيضاً في إيران. فكلاهما انتهى إلى صِدام مباشر مع الشعب، وإلى عزلة داخلية خانقة، وبالتالي إلى طريق مسدود لا يترك خياراً آخر غير تغيير النظام. لكن النظام السياسي للبعث العراقي يختلف عن نظام الشاه في أمور عدة، من أهمها أن الأخير لم يتورط، مثل النظام العراقي في تحويل بيئته الإقليمية إلى بيئة معادية له، ولم يصطدم مع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
على العكس، كان نظام الشاه في تحالف مع الولايات المتحدة. لكن المفارقة أن هذا التحالف ذاته هو الذي أصبح أحد أهم العوامل التي جعلت من إسقاط النظام مطلباً شرعياً ومُلِحاً بالنسبة للشعب الإيراني. بهذا المعنى يمكن القول إن العامل الأميركي ساعد وبشكل واضح وقوي في سقوط نظام الشاه. وفعالية العامل الأميركي في هذا جاءت بدرجة أساسية من سلبيته، سواء من خلال الأثر السلبي الذي تركه على شرعية النظام الإيراني آنذاك، أو من خلال عدم قدرة الولايات المتحدة على إنقاذ النظام في اللحظة الحرجة، كما فعلت في خمسينيات القرن الماضي. أما في الحالة العراقية، فقد تولى الطرف الأميركي بنفسه إسقاط النظام العراقي، وفي ظروف مختلفة، ولكن للأهداف نفسها التي تحالف من أجلها مع نظام الشاه. ولعله من الواضح في هذا السياق أن تغير الظروف الدولية، وخاصة اختفاء الاتحاد السوفييتي، وانفراد الولايات المتحدة بالنظام الدولي، سمح للأخيرة هذه المرة بأن تأتي إلى الخليج، ومن خلال العراق، لتعويض خسارتها الاستراتيجية الكبيرة التي منيت بها على يد الثورة الإيرانية في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
هنا يبرز الاختلاف بين الحالة الإيرانية والحالة العراقية. ففي إيران كان سقوط نظام الشاه على يد الشعب، وبقيادة دينية وطنية. والأهم من ذلك أن الظروف الدولية حينها سمحت للثورة بأن تستكمل مهمتها في عزلة عن التدخلات الأجنبية. كل ذلك يعني شيئين: الأول أنه بمجيء لحظة سقوط النظام كان هناك بديل، وأن هذا البديل هو الذي في الواقع كان يقود الثورة لإسقاط النظام. والأمر الثاني أن هذا البديل كان يتمتع بقاعدة شعبية طاغية فرضت نفسها بقوة على الجميع، في الداخل وفي الخارج. أما في الحالة العراقية فإن سقوط النظام جاء نتيجة تضافر عوامل التقت في لحظة واحدة: جمود سياسي واجتماعي في الداخل، وشلل النظام السياسي وافتقاده لكل مبررات بقائه في الحكم، وعجز عربي فاضح عن التعاطي مع الوضع العراقي بما كان يتطلبه الموقف، وتهييء الظروف الدولية، بما في ذلك مجيء المحافظين الجدد إلى الحكم في أميركا، لعودة الأخيرة إلى منطقة الخليج بطريقة مختلفة عن السابق. طريقة تعتمد هذه المرة القوة والغطرسة لفرض وجودها. ليس وجودها السياسي فحسب، بل والعسكري أيضا.
ففي الولايات المتحدة جاء اليمينيون الجدد إلى البيت الأبيض، وهم حلفاء اليمين المسيحي واليمين الصهيوني داخل أميركا وفي إسرائيل. وكانت قناعتهم الراسخة هي أنه يجب إكمال ما بدأته حرب تحرير الكويت، وعملية السلام التي أفرزتها هذه الحرب. كان النظام العراقي الذي بقي من آثار تلك الحرب قد أصبح بمثابة ثمرة يانعة للسقوط. فهو نظام فقد كل شيء، وأصبح منبوذاً على كل المستويات، في داخل العراق، وفي العالم العربي، وفي المجتمع الدولي ككل. المفارقة أنه رغم ذلك، لم يكن باستطاعة العراقيين في الداخل تولي مهمة إسقاط النظام بأيديهم وقطع الطريق على الأميركيين. فسياسات النظام على مدى أكثر من ثلاثين سنة سلبت المجتمع العراقي من كل قدراته السياسية إما بالإعدام، أو السجن، أو النفي، أو التهجير، أو الاستتباع. بدورها لم تكن المعارضة العراقية في الخارج تملك القدرة على فعل شيء للنظام بسبب انقسامها على أسس حزبية وطائفية أو إثنية، وبسبب ارتهان بعضها للولايات المتحدة أو بريطانيا. نتيجة ذلك أنها فقدت قدرتها على التحرك في الداخل بشكل فعال.
الدول العربية من جانبها، وخاصة الدول المجاورة للعراق، لم تكن