كنت قد كتبت في دراسة منشورة عام 2005 حول "عوائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي" إن البلدان العربية تعيش أزمات التحول من العهد الأحادي الاستثنائي الى التعددية الديمقراطية، وقد يكون الحل الأمثل المتاح لها هو ترتيب تسويات مرحلية توافقية بين الفاعلين السياسيين والأنظمة الحاكمة، (على غرار التجربة الجنوب أفريقية) تفاديا لأفق الثورة بثمنه الباهظة ومخاطره غير المحسوبة. حصل ما كان متوقعاً، حتى ولو كان لا أحد تنبأ بالزلزال التونسي، الذي كان نقطة التحول الجذري في مسار الحياة السياسية العربية، بينما كانت الثورة المصرية تكراراً شبه حرفي للنموذج التونسي، رغم بعض الاختلافات التي تعود لتمايز التركيبة المجتمعية في البلدين. ليس من المهم هل ستشهد ساحات عربية أخرى المشهد نفسه، فمن البديهي أن العرب دخلوا في أفق الثورة نظرياً وإيديولوجيا ورمزياً. ينسى الكثيرون أن حالة الثورة الفرنسية كانت استثناء في أوروبا، إلا أنها كانت حاسمة في تغيير الأوضاع العامة في القارة التي تحمس فلاسفتها ونخبها لهذا الحدث الكبير الذي وصفه الفيلسوف الألماني "هيجل" بأنه كان "اشراقة شمس رائعة". مضيفاً:"لقد احتفت كل العقول المفكرة بتلك الحقبة. ساد ذلك الزمان شعور سامٍ، وانتشر الحماس للروح في العالم كله، وكأن توافقاً حقيقياً مع الإلهي قد حصل". كان تأثير الثورة الفرنسية في ألمانيا فكرياً وفلسفياً وليس سياسياً، في حين أثرت في مسار التجربة الليبرالية البريطانية، التي امتاحت من رصيدها التنويري مع رفض طابعها الراديكالي العنيف، بينما أخذ التأثير في إيطاليا صيغة يقظة قومية تحررية للخروج من السيطرة الأجنبية واستعادة مشروع النهضة الذي بدأ في أوروبا من كبريات المدن الإيطالية. هل تدخل الثورات العربية الحالية في نسق الثورة الفرنسية، أم هي أقرب للثورات السياسية التي أطاحت بالأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية؟ يعز على كثير من الكتاب العرب الإحالة إلى نموذج الثورة الفرنسية التي كانت حاضرة بقوة في الأدبيات الإصلاحية العربية منذ القرن التاسع عشر. إلا أن المقارنة لا تستقيم، ذلك أن الثورة الفرنسية كانت محطة اكتمال مسار ثقافي ومجتمعي كامل، مهدت له حركية النهضة والإصلاح الديني وفلسفات الأنوار والثورات الصناعية والعلمية التي غيرت قواعد وشروط الحياة الإنسانية. وإذا كان المسار نفسه قد أفضى في بريطانيا إلى عملية إصلاح سياسي متدرج ضمن منظور القيم الليبرالية، فانه آل في فرنسا إلى الانفجار التلقائي العنيف الذي قوض النظام المجتمعي السياسي بكامله في نزوع عارم لتجسيد مطلقات الحرية والأخوة الإنسانية والعدالة على أرض الواقع الجديد. نشفق على الثورات العربية الجديدة التي يحملها البعض كل حاجيات المجتمع العربي في النهوض والتحديث والتنمية والإصلاح، غير مدركين أنها كانت انتفاضات ضد الاستبداد والفساد، ولم تكن من قبيل الثورات الفلسفية أو الإيديولوجية التي تختزن طوبائية التغيير الجذري والقطيعة التاريخية الصارمة (وان كانت تنتهي دوماً للعنف والاستبداد). وبذا يمكن القول إن الثورات العربية الحالية – مع مراعاة خصوصياتها – هي أقرب للثورات الأوروبية الشرقية واللاتينية في نهاية الثمانينيات. تتنزل انتفاضات أوروبا الشرقية في سياق انهيار المعسكر الاشتراكي وتحطم الدكتاتوريات العسكرية التي كانت حاكمة في تلك المنطقة. لم تعرف دائرتنا العربية التحولات ذاتها في تلك الحقبة، على الرغم من اندراج العديد من الأنظمة في تجارب الأحادية الحزبية والاشتراكية الثورية والدكتاتوريات العسكرية. وباستثناء الهزة العنيفة، التي مرت بها الجزائر في نهاية الثمانينيات واختفاء دولة اليمن الجنوبي، فإن ديناميكية التحول التي اجتاحت العالم أو انها لم تصل للعالم العربي الذي دخل آنذاك في حرب داخلية عسيرة شلته سياسياً واستراتيجياً (اجتياح الكويت والحرب التي تولدت عنه)، فلم يعرف "الموجة الديمقراطية الثالثة"(بحسب عبارة "هنتنجتون")، التي امتدت إلى مناطق عديدة من العالم الجنوبي. ومن هنا ضرورة الدراسة المتأنية لتجارب الانتقال الديمقراطي في الفضاءين الأوروبي الشرقي واللاتيني، للاستفادة منها في تسديد مسار الثورات العربية الحالية. تكشف لنا التجربة الأوروبية أن البلدان التي حققت نجاحاً حقيقياً في التحول الديمقراطي هي البلدان ذات البنية القومية المنسجمة والمكتملة، (كما هو شان بلدان أوروبا الوسطى)، في حين تعثرت النقلة في البلدان التي لم يكتمل فيها البناء القومي ولم تحقق الحد المطلوب من انسجام النسيج الوطني، (كما هو شأن بلدان البلقان). وتكشف لنا تجربة بلدان أميركا الجنوبية أن الخطر الأكبر الذي يتهدد الديمقراطيات الناشئة، هو الإخفاق في التسيير الاقتصادي وفي السياسات التنموية الذي يقوض الاستقرار السياسي، ويفتح الباب واسعاً لصعود النزعات الشعبوية والراديكالية الخطيرة في المدى البعيد على الممارسة الديمقراطية. ومن هنا ضرورة إحكام تحضير المرحلة الانتقالية الجارية في تونس ومصر، في ملفات ثلاثة أساسية، سيكون لها التأثير الحاسم على مستقبل التجربة الديمقراطية في البلدين: -طبيعة التصور الدستوري للنظام السياسي بالخروج من نموذج "الرئاسة الإمبراطورية" دون السقوط في صيغة برلمانية صرفة ستكون هشة لغياب تشكيلات حزبية قوية ضامنة للاستقرار السياسي. -تحديد موقع ومنزلة المؤسسة العسكرية، التي حكمت مصر طيلة عقود ستة، كما ينحدر منها الرئيس التونسي المخلوع. فكيف يمكن رسم الحد الفاصل بين خروجها النهائي من الحقل السياسي والحفاظ عليها ضمانة لكيان الدولة ولاستمرارية الممارسة الديمقراطية؟ - تحديد العلاقة بين المرجعية الدينية والعقدية العامة للدولة ومقتضيات التعددية الفكرية والسياسية في المنظومة الديمقراطية، مما يعني حسم إشكالات نظرية وإجرائية مطروحة بحدة في الساحة العربية (كمرجعية التشريعات والقوانين وموقع التنظيمات المدعوة بالإسلامية في حقل الشرعية السياسية). وهذه التحديات – هي بطبيعة الحال - فكرية وسياسية، ومن الخطر تركها في يد فقهاء القانون.