ما بين مخاوف الإسرائيليين، ومخاوف الأوروبيين، وتردد الأميركيين، ونصائح الأتراك إزاء أحداث مصر الأخيرة، بقيت الصين وحدها، دون كل القوى الدولية والإقليمية، تراقب التطورات بصمت. وبطبيعة الحال، فإن لهذا تفسيره المعروف. فالقيادة الصينية لا تزال، رغم تقادم السنين، تعيش تحت وطأة مخاوفها من تكرار ما حدث في عام 1989 ، حينما واجهت الشبيبة الصينية بصدورها العارية دبابات الجيش الأحمر في ساحة "تيان إن مين"، مطالبة بالديمقراطية والتعددية والحرية. ولعل أكبر دليل على وجود وتوارث تلك المخاوف هو مسارعة السلطات الصينية، في خضم أحداث مصر، إلى تعطيل البحث عن كلمة "مصر" في مواقع المدونات الصغيرة، وذلك من منطلق القلق من احتمال امتداد الاحتجاجات الإصلاحية والتغييرية في مصر إلى فضاء الإنترنت الصيني. وهو قلق له أسبابه الوجيهة. فإذا كانت أحداث ميدان "تيان إن مين" قد استلهمت بعض الزخم من انتفاضة البولنديين وبقية شعوب دول أوروبا الشرقية الشيوعية ضد أنظمتها الحديدية، واستلهمت البعض الآخر من انتفاضة الشعب الفلبيني في عام 1986 ضد ديكتاتورية فرديناند ماركوس، وإذا كان ذلك قد حدث في زمن لم تكن شبكات الإنترنت، ووسائط التواصل الاجتماعي والجماهيري قد شاعت بالصورة التي هي عليها اليوم، وبشكل استغنت فيه الجماهير عن دور الأحزاب التقليدية، كقائدة ومحرضة، على نحو ما فصله" سعيد الحمد" في سلسلة مقالاته عن "مدن القلق" في "الأيام" البحرينية، فإنه من باب أولى أن يستلهم أي تحرك جماهيري قادم زخمه مما يجري اليوم في دول شرق أوسطية، على الرغم من البعد الجغرافي واختلاف الظروف، خصوصاً أن بعض بلدان شرق آسيا صارت اليوم إحدى الدول الرائدة في صناعة الوسائط قليلة الثمن للاتصال الجماهيري. وفي رأي بعض المراقبين، أنه إذا لم يتأثر الشعب الصيني بمجريات الأحداث وتطوراتها في الشرق الأوسط، فإن هناك شعوباً آسيوية أخرى قد تتأثر وتنتفض ضد أنظمتها بشكل أو بآخر بوحي من أحداث الشرق الأوسط. وهنا يمكن استبعاد كوريا الشمالية، بسبب ظروف شعبها البائسة وما يعيشون فيه من عزلة مطبقة عن العالم كله. لكنه لا يمكن استبعاد حدوث انتفاضة جماهيرية في غيرها من الدول الآسيوية التي لا تزال تدار بعقلية الحزب القائد والزعيم الأوحد، أي على نحو ما فعله الإندونيسيون ضد الديكتاتورية السوهارتية في عام 1998. وفي رأي هؤلاء أن فيتنام مرشحة قبل بورما وكوريا الشمالية للتغيير لأسباب عديدة. من هذه الأسباب وجود طبقة وسطى متعلمة ضمن الملايين الـ 86 من الشعب الفيتنامي. وهؤلاء تنامى عددهم باضطراد خلال السنوات القليلة الماضية كنتيجة لتحقيق البلاد معدلات نمو جيدة بفضل مناخ السلام الجالب للاستثمارات الأجنبية، وذلك من بعد التجربة الفاشلة ما بين عامي 1975 و1986 لبناء المجتمع الاشتراكي الخالص، والتي أشاعت الحرمان والبؤس لأسباب يطول شرحها. والطبقة الوسطى في أي مجتمع، كما هو معلوم، تضطلع بدور مهم ومحوري في أي تغيير مثلما حدث في تونس. والمنتمون لهذه الطبقة لئن صاروا اليوم في وضع معيشي جيد نسبياً، ويتمتعون بمعدلات دخول تصل إلى 1200 دولار، علاوة على امتلاك السكن، وأجهزة التسلية (التلفاز)، ووسيلة التنقل الشعبية (الدراجة النارية)، ووسيلة التواصل (الهاتف النقال والإنترنت) التي بإمكانهم استخدامها بسهولة للتجمهر والتحشيد على نحو ما يفعلونه فعلًا أثناء مباراة كرة القدم، إلا أنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون البوح بآرائهم بحرية، ومحرومون من تغيير قادتهم، وتكوين تنظيماتهم الحزبية المعبرة عن رؤاهم وطموحاتهم. ومن الأسباب أيضاً – بحسب ما ظهر على بعض المواقع الفيتنامية – وجود معضلة عدم التناسب ما بين أعداد الخريجين الجدد الباحثين عن العمل وعدد الفرص الوظيفية المتاحة، الأمر الذي أوجد بعض التذمر الصامت تحت مسمى "غياب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص". والشعار الأخير كما هو معروف كان من أبرز الشعارات التي رفعت في الانتفاضة المصرية. وهناك سبب آخر يتمثل في تراجع السلبية التي كان الفيتناميون يتعاملون بها مع أحداث العالم الخارجي. وقد لوحظ هذا في العام الماضي حينما تواصل الفيتناميون ساعة بساعة مع أعمال الشغب والتظاهر في بانكوك، كما لوحظ مؤخرا أيضاً حينما بادرت أهم الصحف اليومية إلى تخصيص صفحات بأكملها للحديث عما جرى في تونس وعما يجري في مصر. ويضاف، طبعاً، إلى ما سبق ذكره، ترهل القيادة الحاكمة في هانوي وعجزها عن تقديم المبادرات الخلاقة، ناهيك عما بين أفرادها من تنافس على الاختصاصات والصلاحيات، وتفشي الفساد والمحسوبية ضمن أطرها. والمعروف أن القيادة الحالية للحزب الشيوعي الحاكم، التي أختيرت مؤخرا، يأتي على رأسها الأمين العام للحزب "نيغوين بو ترونغ" (67 عاما)، الذي يتوقع أن يختار هذا الشهر لمنصب رئاسة الجمهورية، وبالتالي قيادة الترويكا الحاكمة، ورئيس الوزراء "نيجوين تان دونج" المعروف بشراسة دفاعه عن الإبقاء على شركات القطاع العام رغم خسائرها المتوالية وعجزها عن مسايرة الحراك الاقتصادي الآسيوي، والأمين العام الاحتياطي "ترونج تان سانج" المعروف بترديده للفظة "الاستمرارية" كضمانة للاستقرار- علما بأن "الاستقرار بحد ذاته ليس مهماً، وإنما الأهم أسس الاستقرار وقواعده وانعكاساته على الناس". والمعروف أن الأخيرين قد تجاوزا الستين من العمر وينتقدان بعضهما البعض علناً بسبب التنافس على الصلاحيات والمكاسب المتأتية من التراخيص الاستثمارية. وهكذا يصبح مفهوماً ما صار يتردد على نطاق واسع في اليوميات والدوريات الآسيوية من أن شرعية الحزب الحاكم في فيتنام باتت محل تساؤل، وأن حماية الحزب كمتربع وحيد على السطة لا يمكن أن يستمر بالأساليب الأمنية وإغراء قادة المؤسسة الأمنية التي يبلغ عدد أفرادها 1.2 مليون نسمة) بالمقاعد والمناصب البرلمانية والحزبية، وأن بقاء الحزب يجب ألا يعتمد فقط على تقديم مستويات معيشية أفضل، وإنما تحقيق الحريات والعدالة الاجتماعية جنبا إلى جنب. فذلك تحديداً هو ما خرج به مراقبو انتفاضة ميدان "تيان إن مين" الصينية، وثورة الياسمين التونسية. وبعبارة أخرى، فإن السبب في اندلاع تلك الأحداث لم يكن الإيديولوجيا، وإنما غياب الحريات والعدالة.