حدثان تربويان مهمان لفتا انتباهي كتربوي في الأسبوع الماضي، الأول من العراق والثاني من الولايات المتحدة الأميركية· نبدأ من الثاني فقد نقلت جريدة الاتحاد في عددها 10316 بتاريخ 2-10-2003 حكما صدر عن قاض في الولايات المتحدة بحق طالب دخل المدرسة مرتديا قميصا عليه صورة الزعيم الأميركي ورئيس العالم الجديد جورج بوش كتب عليه عبارة إرهابي دولي حيث إن الطالب من المعارضين للحرب على العراق فما كان من مدير المدرسة إلا أن أمر بطرد الطالب من المدرسة خوفا من الفتنة التي قد تثور في المدرسة كما نقول في العالم العربي من باب سد الذرائع، فخرج الطالب لكن اتحاد الحريات المدنية الأميركية كانت له وجهة نظر أخرى فرفع الأمر إلى المحكمة الاتحادية فأقر القاضي موقف الطالب وقال إن المدرسة فشلت في إثبات أن ارتداء القميص يثير القلاقل أو يعطل الدراسة وقال إن التلاميذ يستفيدون عندما يوفر مسؤولو المدارس مناخا يستطيعون من خلاله التعبير عن وجهات نظرهم المختلفة و التسامح مع آراء الآخرين فعلق المحامي المنتصر في القضية على حكم القاضي بأنه درس مهم في الحقوق المدنية للطلاب في جميع أنحاء الولايات المتحدة · ومن أميركا أيضا تذكرت من سنوات دراستي شغبا قوبل به خطاب الرئيس جورج بوش الأب مرة في إحدى الجامعات في الغرب الأميركي وكان الرئيس يتكلم بحضور العديد من الفاعليات العالمية فما كان من الحرس إلا أن سحبوا الطلبة خارج المسرح فعلق الرئيس بقوله هؤلاء الطلاب ستوجه إليهم تهمة الإخلال بالنظام فقط لكنهم لو كانوا في دولة أخرى لكان حسابهم أشد، نعم فمن يقدر على مقاطعة الزعماء في العديد من دول العالم؟
قبل التعليق على الحكم القضائي دعوني أنقل لكم صورة بثتها القنوات التلفزيونية العالمية والعربية، ففي أول يوم تسلم فيه التلاميذ العراقيون كتبهم المدرسية كان نشاطهم الأول و أحسبه المفضل تمزيق صور الرئيس السابق للعراق علامة الحرية التي يحلم بها العديد من الناس في بعض الدول التي ابتليت بنظام ديكتاتوري مسخ شخصية البشر في صورة الزعيم الذي يملك البلاد والعباد ·
إن من أول مبادئ النهضة لأية أمة تريد أن تشق مكانا لها في عالم التحديات هو المبدأ الذي أعلنه عمر رضي الله عنه في قوله: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا · إن النصر الذي تحقق في دول العالم المتقدم ما كان له أن يتحقق لولا تطبيقهم للمبادئ التي جئنا بها فنجحوا في رسمها في واقع حياتهم وحصرناها نحن بين أوراق الكتب· إن حرية الإنسان هي المنطلق الأساس للإبداع الفكري والمادي وهو مقدمة لازمة لبناء الدولة المعاصرة· هذه الحرية يتشربها الناس في أسرهم ومن ثم في مدارسهم كما أمر القاضي الأميركي، وبعد ذلك تنزل إلى العالم بمؤسسات المجتمع المدني·
بعد الحرية ومعها يأتي تساوي الناس أمام القضاء، فلا فضل لغني على فقير أو للون على آخر وكلنا تابع قضية الرئيس بيل كلينتون عندما قادته متدربة في بيته الأبيض إلى القضاء، وقريبا رأينا توني بلير رئيس وزراء بريطانيا يدلي بروايته أمام قاضي التحقيق شأنه شأن المواطن البريطاني العادي لأنهم يحترمون قيما نحن من بدأها· وقراءة سريعة للتاريخ العربي الإسلامي لا تدع أمامنا ميدانا للشك في أن العدالة شرط أساسي في دوام الملك وكلنا يتذكر مقولة ابن تيميه إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة لأن العدل من نواميس الكون التي أوجدها الله و لا تفرق بين البشر .
وفي الختام أنقل تجربة لعربي يدرب أخاه العربي من الإمارات على السباحة فتعلم الإماراتي مهارات السباحة كلها إلا واحدة وهي أن ينزل رأسه ليتساوى مستقيما مع جسمه فلما فشل المدرب علق بقوله: احمدوا الله أنكم في الإمارات علمتكم قيادتكم أن تكون رؤوسكم مرفوعة دائما وهذا سر نهضتكم.