لعل التحول الأخير في بورما (ميانمار)، أي انتخاب أول رئيس مدني لها منذ فترة طويلة، يمثل استكمالا لخطوات أخرى فاجأت في حينها الكثيرين، منها استعادة الانتخابات، والسماح بتشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية... وهو ما يعني أن نقلة نوعية كبرى تسجلها ميانمار نحو تحقيق التغيير والإصلاح السياسي من الداخل، ولو في ظل استمرار النفوذ الذي تحظى به النخبة العسكرية الحاكمة مند حوالي نصف قرن. ورئيس بورما الجديد هو "ثين سين" الذي انتخبه برلمان البلاد يوم الخميس الماضي، حيث حصل على تأييد 408 أعضاء من أصل 659 عضواً في البرلمان. وفي هذه الانتخابات التي سبقتها حملة دعائية محدودة وهادئة للغاية، كان هناك منافسان اثنان فقط لـ"سين"، هما الجنرال السابق "تين أونج مينت" والدكتور "ساي خام"، وكلاهما ينتميان إلى "حزب اتحاد التضامن والتنمية" الذي يرأسه "سين" نفسه، ولذلك فقد أُعلن عن اختيارهما كنائبين للرئيس. ووفقاً للدستور البورمي، فإن "سين" سيحكم لولاية مدتها ست سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وهو مخول باختيار أعضاء الحكومة وترؤسها حال حصولها على ثقة البرلمان. كما يترأس "مجلس الدفاع والأمن الوطني"، وهو هيئة دستورية جديدة ذات صلاحية ونفوذ واسعين على الجيش والحكومة معاً. لكن العارفين بتفاصيل نظام الحكم وتشابكاته الداخلية في بورما، لا يرون في انتخاب "سين" لمنصب الرئيس تغيراً ذا أهمية سياسية كبيرة. فاختياره لهذا المنصب دون غيره من المسؤولين البورميين، يدل على أنه يحظى بالأفضلية لدى الجنرال "ثان شوي"، رئيس المجلس العسكري الحاكم، والذي يتوقع أن يحتفظ لنفسه، رغم التغييرات الظاهرة من واجهة نظام الحكم، بتأثير قوي على صناعة القرار في ميانمار. وأول مبرر لذلك التوقع أن "سين" نفسه جزء من تركيبة نظام الحكم القائم، وأنه ينتمي إلى المؤسسة العسكرية وأحد جنرالاتها السابقين، وإن استبدل مؤخراً بزته العسكرية ببذلة مدنية. و"سين" البالغ من العمر 65 عاماً، والذي لا تتوفر معلومات كثيرة حول حياته الخاصة، هو رئيس حكومة العسكريين السابق، وقد ارتبط اسمه لدى الرأي العام المحلي بحدثين مهمين، أولهما الاستفتاء الشعبي على الدستور البورمي الجديد، في عام 2008، والذي منح بعض الحريات السياسية والمدنية، وسمح بالانتقال إلى حكم ديمقراطي قائم على التعددية الحزبية. وقبل ذلك، لكن في العام نفسه، كان تعامل "سين" مع الأزمة التي سببها إعصار جنوب بورما محل تقدير لدى كثير من مواطنيه. كما يُعتقد أنه ينوي تطبيق خريطة طريق كان أحد أسلافه على رأس الحكومة، وهو الجنرال "خين نوينت"، قد اقترحها قبل أن يفقد ثقة زملائه داخل المؤسسة العسكرية عام 2004. وقد أصبح "سين" رئيساً مؤقتاً لحكومة المجلس العسكري الحاكم في أبريل 2007، عقب مرض "سو وين" الذي كان يتولى ذلك المنصب قبل وفاته في أكتوبر من العام نفسه، ليتم تثبيت "سين" رسمياً كرئيس للوزراء، وليصبح الشخصية الثانية في البلاد. وقبل ذلك كان "سين" أحد رجال الظل المهمين، حيث قام بمهمات خارجية حساسة في كل من الصين وكمبوديا وتايلاند. أما أول ظهوره على مسرح النخبة العسكرية الحاكمة، فكان خلال أحداث عام 1988 الدموية والقمع الذي تعرضت له "ثورة الزعفران" الشعبية. ثم أصبح شخصية معروفة بعد نيله عضوية المجلس العسكري عام 1997. وينظر الكثيرون إلى "سين" على أنه جندي محترف و"نظيف" وصاحب سجل وظيفي "جيد"، إذ لم يعرف عنه التورط في أعمال فساد شهيرة، رغم أنه كان رابع أرفع جنرال في القوات المسلحة البورمية. وخلال فترة السنوات الأربع التي قضاها رئيساً للوزراء، كان "سين" الوجه الدولي لرانجون في المنتديات الإقليمية، رغم حرصه على تجنب الأضواء الإعلامية. وكثيراً ما بدا أكثر المسؤولين البورميين مرونة، حتى أنه أعلن أمام المشاركين الإقليميين خلال قمة آسيوية عام 2009 أنه متفائل بمستقل المعارضة في بورما. كما حاول تمتين علاقات بلاده بكل من الصين وتايلاند وكمبوديا، وكان العنوان المفضل بالنسبة للوفود الأجنبية، الأميركية والأوروبية والأممية، القادمة إلى رانجون سعياً لدفع الحوار مع المجلس العسكري الحاكم حول الشروط الأميركية لرفع العقوبات الاقتصادية على ميانمار، ومنها عودة الديمقراطية، وإنهاء الحكم العسكري، وإطلاق سراح "سوتشي" زعيمة المعارضة الحاصلة على "نوبل" للسلام. وتخضع بورما، الواقعة في جنوب شرق آسيا والمحاطة ببنجلادش والصين وتايلاند وخليج البنجال، لعقوبات أميركية منذ عام 1992 عندما هُزم حزب السلطة العسكرية الحاكمة أمام "حزب الرابطة الوطنية" بزعامة "سوتشي". غير أن بورما التي جعلت منها بريطانيا مقاطعة هندية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، لم تعرف استقراراً طويلاً منذ الوقت؛ فقد احتلها الجيش الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد هزيمة اليابان واصل الوطنيون معاركهم حتى الحصول على الاستقلال في عام 1948. لكن انقلاباً عسكرياً أنهى الحياة الديمقراطية التعددية فيها عام 1962. وفي ظل الصراع على السلطة، ونزاع الأقليات المطالبة بالاستقلال في بلد يناهز عدد سكانه 50 مليوناً وتزيد مساحته عن 600 ألف كلم مربع، وجد العسكريون الذرائع دائماً لتأجيل الانتقال الديمقراطي. ثم جاء انقلاب عام 1990 على نتائج الانتخابات التشريعية ليكرس حكم الجنرالات بقيادة "ثان شوي". ورغم الخطوات الحالية نحو الحكم المدني الديمقراطي في بورما، فهناك من يعتقد أن "شوي" سيستطيع الإبقاء على الوضع الاستبدادي في البلاد، مُحتفظاً لنفسه بنفوذ قوي من وراء الكواليس، لاسيما أن دوره المستقبلي لم يتحدد علناً، وأن "سين" ليس لديه برنامج سياسي أو خطط إصلاح واضحة.