اطلعتُ مؤخراً على التقرير السنوي للمنتدى العربي الخاص بالبيئة والتنمية "أفد"، الذي تم إطلاقه خلال أعمال انعقاد المؤتمر السنوي للمنتدى في بيروت في 4 نوفمبر 2010، وكم كانت لحظةً صادمة لي عندما قرأتُ التقرير المذكور، واطلعت على الأرقام والمعطيات المؤلمة والاستنتاجات والخلاصات التي توصل إليها والتي تركزت بمجملها حول اعتبار أن العرب يواجهون بالفعل خطر نقص حاد في المياه والغذاء، وهم نائمون تماماً عن كوارث بيئتهم والنقص الحاد في مواردهم وعلى الأخص ما يتعلق بالكارثة المائية التي باتت تطرق أبوابهم بقوة. ومن المعروف أن البلدان العربية تقع في المنطقة الأكثر جفافاً وندرةً في المياه، حيث إن أكثر من 72 بالمائة من الأراضي صحراوية قاحلة يندر فيها الماء، علاوة على التغيرات المناخية الكبيرة التي تتسبب في انحباس الأمطار وعدم توزعها بصورة متوازنة، حيث من المتوقع نتيجة لهذا الوضع، أن يواجه العرب مع نهاية القرن الحالي انخفاضاً بنسبة 25 في المائة في التساقطات مع ارتفاع معدلات التبخر بنسبة 25 في المائة أيضاً، بما سيؤدي إلى وقوع المزروعات المروية في دائرة الخطر الحقيقي، مع انخفاض في الإنتاجية بنسبة 20 في المائة. ويلاحظ التقرير أن الزراعة العربية تتصدر استعمالات المياه، وأن كفاءة الري منخفضة جداً في معظم البلدان العربية، حيث لا تتجاوز 30 في المائة مقابل معدل عالمي يتجاوز 45 في المائة. وإلى ذلك يعتبر تلوث المياه واحداً من أهم التحديات التي تواجه بلداننا العربية، بسبب ازدياد نسب تصريف المياه المنزلية والصناعية، إضافة إلى التلويث بالمواد الكيميائية الزراعية. ويشير التقرير إلى موضوع خطير آخر يتعلق بتحلية مياه البحر للاستخدامات البشرية وتلبية الاحتياجات الصناعية، حيث دفع النقص الحاد في الموارد المائية كثيراً من البلدان العربية إلى الاعتماد على تحلية مياه البحر، حيث تشير الأرقام هنا إلى أن العالم العربي يقوم بتحلية 50 في المائة من مياه البحر المحلاة في العالم. ويبدو أن هذه النسبة ستتضاعف بسبب الزيادات السكانية وزيادة المعامل والمصانع ومجمل الاستثمارات الصناعية.. كما أن تكاليف التحلية ستتزايد باعتبار أن تقنيات التحلية وما يتصل بها من تكنولوجيات معملية شديدة الكلفة. كما أن هناك هدراً وتبذيراً واضحاً في بعض استخدامات المياه المحلاة. وطبعاً لا يفوت التقرير الإشارة إلى أن نواتج تلك المياه المحلاة شديدة التلوث، خاصة وأن تصريفها يتم إلى البحر مما يزيد ملوحة المياه الساحلية وارتفاع درجات الحرارة فيها، كما يؤثر سلباً على الأحياء البحرية. ويرى التقرير أن المياه المجانية هي مياه ضائعة، فأسعار المياه المخفضة، ودعم الخدمات المائية، هما أساس مشكلة انعدام الكفاءة، والاستخدام المفرط، والتلويث المرتفع، والتدهور البيئي. أما عن المشاكل التي تواجه إدارة المياه في المنطقة العربية فيشير التقرير إلى كثرتها، مؤكداً أن حصر المعالجة بتطوير مصادر جديدة لم يعد خياراً قابلاً للحياة. وبالتالي فهناك حاجة ماسة وملحة لإجراء تحول استراتيجي من ثقافة تنمية مصادر وموارد المياه إلى ثقافة تحسين إدارة المياه، وترشيد الاستهلاك، وتشجيع إعادة الاستعمال، وحماية المصادر المائية من التلوث والاستغلال الجائر. وهنا يشدد التقرير على أنه لابد من تنفيذ تدابير أقل كلفة لتخفيض خسارة المياه، وتحسين كفاءتها وتفعيل إدارتها على نحو مستدام. وينتهي التقرير إلى التحذير من أن الواقع المائي للعرب لا يحتمل خسارة نقطة ماء واحدة. مما يحتم على الحكومات أن تبادر إلى تطبيق سياسات مستدامة لإدارة المياه، وتطبيق تدابير لفرض استخدامها بكفاءة، والتحول من استخدام الري بالغمر إلى الري بالتنقيط، وإدخال محاصيل تحتمل الملوحة، وتتطلب كميات أقل من المياه، وتدوير المياه بإعادة استخدامها، وتطوير تقنيات رخيصة للتحلية. لكن هل لدى الحكومات العربية إرادة جدية ومعايير علمية للبدء بخطط مواجهة تحديات أزمة المياه؟ نعتقد أنه لمعالجة هذا الملف الشائك، لابد من تطبيق إجراء إصلاحات مؤسسية في كثير من البلاد العربية، حيث لا تزال معظم تلك السياسات العربية المستقبلية المتصلة بأزمة المياه، مجرد حبر على ورق، وهذا أمر غير مستغرب في ظل وجود مؤسسات رسمية عربية مترهلة وغير مخططة، وعاجزة عن إدارة الشؤون الحيوية، إضافة إلى هيمنة العقلية البيروقراطية الانتفاعية على المؤسسات والإدارات... ومن هنا تطرح فكرة جدوى وأهمية التفكير في خصخصة عملية استخراج وتحلية وتوزيع الماء وتشجيع المنافسة في هذا المجال لتحسين جودة هذا المنتج الحيوي، وخفض تكاليفه إسوة بالتجارب الناجحة لعدد من الدول الغربية والآسيوية والإفريقية في هذا المجال. وفي المدى المنظور، لا يبدو أن ثمة حلولاً جدية لأزمة المياه العربية، خاصةً في ظل تفاقم الانقسامات الأفقية والعمودية، وحالة الترهل التي تصيب جسم النظام العربي عموماً. فالعلم هو أساس بناء الحضارات والمجتمعات والأمم، وليس العلم المستهلك والمستورد من الآخرين، ولكنه العلم النابع من وجود أرضية وأسس ومعايير علمية وبنى تحتية عربية حقيقية في هذه البلدان التي أنهكها التخلف العقلي والفكري، واستمرار عقلية الخوف من الآخر. نبيل علي صالح كاتب سوري ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"