من أكثر اللحظات إذهالاً بعد انهيار نظام صدّام، كان اندفاع عشرات الآلاف من العراقيين الشيعة المحتفلين إلى الشوارع استجابةً لدعوة زعيمهم السيستاني، وكان ذلك عرضاً صارخاً لقوتهم التي انتزعت الشجاعة من أعصاب الأميركيين المؤمنين بإمكانية إقامة عراق علماني ديموقراطي.إن تلك اللحظة أنذرت بنشوء نزعة أوسع في كل الشرق الأوسط وبتشكيل تحديات طويلة الأمد أمام السياسة الخارجية الأميركية، إذ صار المزيد والمزيد من العرب يُعرّفون أنفسهم بأنهم مسلمون في المقام الأول.
وتتجلى هذه النزعة واضحةً في نتائج استطلاع أجريتُه الشهر الماضي في 6 بلدان عربية هي مصر، السعودية، المغرب، الأردن، لبنان والإمارات.وترتبط النزعة بظاهرة أخرى أكثر استمرارية ومضمونها التصور العربي العام عن حكوماتهم.ويعتقد الذين أجابوا عن أسئلة الاستطلاع بأن الحرب في العراق جعلت المنطقة أقل ديموقراطية.ومن العواقب الممكنة -والمميزة- لذلك التصور أن معظم العرب المشمولين بالاستطلاع قالوا: إنهم يريدون أن لرجال الدين دوراً أكبر في السياسات. فكيف يكون هذا ممكناً؟
للعرب، من الناحية التاريخية، ثلاثة آراء سياسية: الإسلام، القومية العربية الشاملة، والقومية المرتبطة بكل دولة على حدة. وكان المصدر الرئيسي لجاذبية صدّام حسين في العالم العربي هو اعتناقه للقومية العربية العلمانية.فبعد موت جمال عبد الناصر في عام 1970، لم تتمكن القومية العربية العلمانية من استعادة نفوذها الذي كان لها في الخمسينيات والستينيات، لكن بقي لها أتباع وحكومات تنادي بها،ولا سيما منظمة التحرير الفلسطينية، والبعثيون في العراق وسوريا.لكن زوال البعثيين في العراق، وضعف قبضة سوريا، وشلل منظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات، كانت سبباً للمزيد من تآكل جاذبية الحركة.وتجلت في العراق إحدى عواقب التآكل عندما انهارت المؤسسات البعثية، فصارت المنظمات الدينية هي المنظمات الرئيسية القادرة على حشد الجماهير الواسعة.
وعلى الرغم من ذلك ليس لكل هذه النزعات اتجاه واحد. فهناك إشارات كثيرة توحي بأن القومية العربية العلمانية تبقى قوة سياسية ذات شأن.ومن ذلك مثلاً أن هناك قلّة في العالم العربي معجبة بالشخصيات الدينية كزعامات.ففي الاستطلاع المذكور، طلبتُ من الأشخاص المعنيين تسمية الزعماء العالميين الذين يحظون منهم بأكبر قدر من الإعجاب.وكان الزعيمان اللذان تكرر اسماهما أكثر من غيرهما هما جمال عبد الناصر و"جاك شيراك"..رغم حقيقة أن "شيراك" حظر ارتداء الحجاب في المدارس الفرنسية.وفي الأردن، احتل اسم الرئيس المخلوع صدام حسين رأس القائمة بنسبة بلغت 20%. وتبيّن في الإجابات أن الزعيمين الأكثر شعبية بين أصحاب الأجندات الدينية هما حسن نصر الله وأسامة بن لادن.وتكشف الصورة الشائعة، في اختيارات المشمولين بالاستطلاع، عن زعيم يتحدى الولايات المتحدة.ولذا ليس من دواعي التعجب أن الرئيس "بوش" كان الزعيم الذي يتلقى ثاني أكبر حجم من مشاعر البغض، بعد "أرييل شارون".
وفوق هذا تتباين درجة بروز الهوية الإسلامية في المنطقة بين بلد وآخر.ففي مصر ولبنان، عرّف معظم المشمولين بالاستطلاع أنفسهم بأنهم مصريون ولبنانيون أكثر من كونهم عرباً أو مسلمين، لكن في المغرب، والسعودية، والإمارات ، ذكر معظم المشمولين بالاستطلاع أن هويتهم الإسلامية تطغى على كل ما سواها من الهويات.
وتوحي النتائج بوجود عاملين دافعين إلى الرغبة في دور أكبر لرجال الدين في السياسات الإقليمية: أولاً، غياب البديل يعني تنظيم المعارضة للحكومات العربية، وثانياً، الاعتقاد بأن رجال الدين سيكونون أقل قابلية للفساد. ومهما تكن أسباب تطلع الكثير من العرب إلى قيادة لهم من بين رجال الدين المسلمين، فإن من الواضح أن هذه المشاعر سوف تعزز نفوذ السلطة الدينية في المنطقة، على الرغم من وجود إدراك عام وواسع النطاق لحقيقة أن حكم رجال الدين في إيران هو إخفاق تام على وجه العموم.
أما تزايد اعتناق العرب للإسلام باعتباره المصدر الأول والرئيسي لهويتهم، فإنه تزايد لم تكن بدايته لا بحرب العراق ولا حتى في الفترة التالية لأحداث 11 سبتمبر، بل إن هذه الظاهرة حدثت وتحدث على مدى العقود الماضية وعلى نحو متقطع،غير أن نموها المتسارع اليوم هو إلى حد ما نتيجة لانهيار المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية في عام 2000، وللصعود اللاحق للانتفاضة الفلسطينية الأخيرة والرد الإسرائيلي عليها.ولم تكن النتيجة الوحيدة لانهيار المحادثات بين الطرفين هي إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وتقوية خصومها الإسلاميين ولا سيّما حركة "حماس"، بل أدى الانهيار أيضاً إلى بدء اعتبار النزاع مع إسرائيل نزاعاً دينياً أكثر منه قومياً. وصار الإسرائيليون والفلسطينيون يركّزون في المفاوضات على وضع مدينة القدس، واقترن ذلك بالحاجة إلى توسيع الدعم للقضية الفلسطينية بين العرب والمسلمين ليؤدي إلى المساعدة في تحويل هذه المسألة أيضاً إلى مسألة إسلامية.واليوم، صارت لفلسطين، في دول مثل ما