لطالما وُصفت الحالة العربية بالاستثناء في مجال الحريات وحقوق المشاركة السياسية. وتصنف تقارير التنمية العربية ومنظمة "فريدوم هاوس" التي ترصد واقع الحريات والديمقراطية في دول العالم الواقع العربي عادة في خانة الصعب. وحتى هنتنغتون في كتابه عن موجة الديمقراطية الثالثة نهاية القرن الماضي سجل فيه واقع كونها لم تهب على منطقتنا ودولنا، فإذا بهذه الموجة تجتاح اليوم المنطقة من أقصاها إلى أقصاها بحركات شعبية متنقلة تحركها المطالب الاقتصادية والمعيشية والضغوط الاجتماعية، وبسرعة قويت واشتد عودها لتطالب بالقضاء على الفساد، وفي الجمهوريات العربية ترفض الرئاسة مدى الحياة والتوريث. وهذه المطالبات غير المسبوقة هي أحد الأسباب التي تدفع بالجماهير إلى الشارع، فيما يؤكد قادة العديد من تلك الدول أن بلادهم ليست تونس! والراهن أن غضب الشارع تحول إلى ظاهرة عربية متنقلة في موجة من أيام الغضب العربي من تونس إلى القاهرة، ومن اليمن إلى الأردن، وسبقت ذلك الجزائر. وهناك محاولات قد تكون متأخرة تسعى لاحتواء الغضب، استشعاراً لخطورة الحالة التونسية والغضب الشعبي الذي يحركه الفقر والجوع والقهر والتهميش وفقدان الأمل وظاهرة إحراق الأجساد. وقد سارعت دول لاتخاذ خطوات استباقية بتخفيض أسعار المواد الغذائية الأساسية، وتقديم وعود بتوظيف طوابير العاطلين عن العمل منذ سنوات، ودعم أسعار المواد الأساسية مثل الغذاء والغاز والبنزين، وحتى زيادة رواتب العاملين والمتقاعدين. وكنت أشرت في مقال الأسبوع الماضي، في هذه المساحة، إلى التحذير الذي أطلقه أمين عام جامعة الدول في القمة العربية الاقتصادية الثانية في شرم الشيخ قبل أسبوعين وقوله إن "المواطن العربي وصل إلى مرحلة من الغضب لم يسبق لها مثيل". وطالب القادة العرب بـ"أن يولوا اهتماماً للقضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الشعوب العربية، والتي تقود إلى اضطرابات سياسية". وكذلك تحذيرات وزيرة الخارجية الأميركية، قبل يوم من سقوط نظام بن علي وكأنها تتوقع ذلك بحديثها لقادة المنطقة عن "الحاجة لمكافحة الفساد وضخ حياة جديدة في أنظمتهم السياسية الراكدة، وإلا جازفوا بخسارة المستقبل لقوى التطرف". وحثت حكومات الدول العربية على الإصغاء لمواطنيها وتوفير فرص العمل وخاصة للشباب. وبسرعة وصل الغضب إلى بيروت التي تم فيها إقصاء حكومة الحريري، وتحولت المعارضة من أقلية إلى أكثرية، وتراجعت الأغلبية التي فقدت زعيمها أو أفقدت زعيمها لتتحول إلى أقلية، ضمن دوامة تشل لبنان وتدخله في انقسامات واصطفافات مذهبية، وتخرج اللبنانيين في يوم الغضب اللبناني للشارع وسط خوف حقيقي من وضع قابل للانفجار. وعاشت مصر أيام غضب، وكانت "جمعة الغضب" نقطة فاصلة لعلاقة النظام مع جماهيره، في تطورات ومظاهرات وتحدٍّ واشتباكات ومواجهات في القاهرة ومدن مصرية أخرى غير مسبوقة خرج فيها المحتجون مطالبين بالتغيير والإصلاحات، يحركهم ما حرك التونسيين "خبز، حرية، كرامة إنسانية"، ومنحهم ذلك كما منح غيرهم الجرأة للتعبير عما كانوا لا يبوحون به. والملفت في هذا كله هو الموقف العربي المراقب، والموقف الأميركي الذي عبرت عنه هيلاري كلينتون حين قالت: "انطباعنا هو أن الحكومة المصرية مستقرة. وتبحث سبل تلبية المطالب والمصالح المشروعة للشعب المصري"، فإذا بصحيفة "واشنطن بوست" تخرج في اليوم التالي منتقدة كلينتون، ومنادية بدلاً من الدفاع عن الشريك المصري والحديث عن استقراره، بضرورة "المطالبة بالإصلاحات والتغيير". والحال أن الغضب العربي الذي يتمدد دفع ملك البحرين للمطالبة "بعقد اجتماع عربي لتدارس أوضاع الأمة العربية ووضع استراتيجية لمستقبلها وتقدمها بما يحقق مصلحة الشعوب العربية"، وذلك ردّاً على موجة الغضب والمواجهات والمطالبات التي تشتد وتقوى وخاصة في تونس واليمن ومصر وفي دول أخرى مرشحة لحالة الغضب المتنقلة. والأرجح أن أيام الغضب العربية ستستمر وتتصاعد جارفة معها الكثير من الماضي، ومحدثة هزات ارتدادية يشعر بها من يعنيهم الشأن. إن الإصلاحات السياسية والاقتصادية وتحسين الوضع الإنساني والمعيشي، وحفظ كرامة المواطنين، مطلوبة للتعامل مع الغضب العربي. وللذكرى والتاريخ فقط فإن الثورة التي اندلعت وأسقطت الشيوعية في أوروبا الشرقية انطلقت شرارتها في مدينة "غدانسك" البولندية من نقابي هو "ليخ فاليسا" لتعم كل أوروبا الشرقية، وتسقط الشيوعية كنظام وإيديولوجية ليصبح "فاليسا" بعد ذلك رئيساً لبولندا في حقبة ما بعد الشيوعية. فهل الغضب العربي.. هو غدانسك العرب؟!