إن كان هناك من يجب أن يُستدعى فكره وتُستحضر روحه الوثابة في أيامنا هذه فلا أحد غير عبدالرحمن الكواكبي. إنه طاووس الحرية الذي تبختر في شوارع حلب الشهباء على رغم الاستبداد التركي الذي كان يكيد له صباح مساء. وهو حبر الحرية الذي خط "الطبائع" في حلب ونشرها في القاهرة حيث هاجر بحثاً عن حرية عشقها حتى الثمالة. ولو لم تعمل طبائع الاستبداد على التخلص من الكواكبي باكراً، بالسم، وهو في ذروة عطائه في منتصف أربعينات عمره، لكان واصل إنتاجه الفذ أضعافاً مضاعفة. ولكن يكفيه سِفره العظيم "طبائع الاستبداد". يكفيه أنه اختصر الجدل من أول المشوار وسطر أن "الحرية أم البشر" وأن "الاستبداد أصل كل فساد". الكواكبي كتب بعمق وغضب في آن معاً. كتب بعمق قائلاً إن تاريخ وسيرة العرب تقضي بعدم قبول الاستبداد. وكتب بغضب مستهجناً أن يقبل العرب ديمومة الاستبداد، التركي آنذاك، وبطشه بهم صباح مساء. وأهمية درس الكواكبي أنه نقض، مبكراً جدّاً، مقولات صار لها أن تحتل مكاناً في قلب التنميط السالب عن العرب أفراداً وجماعات، ذاك أنهم بالطبع والتطبع قابلون للاستبداد لا يثورون عليه. ففي القراءات اللئيمة للاستشراق الكلاسيكي والحديث، ومن دون التورط في التعميم أو اتهام القراءات الحميدة في الاستشراق، تم صك "جوهرانية" العرب ثقافة وديناً وتاريخاً، وبأن خضوعهم للاستبداد ينتسب إلى تلك "الجوهرانية" وهو بهذا المعنى متأبد فيهم! تعززت تلك النظرة خلال العقود الماضية إذ كانت تطرق رؤوسنا بالسؤال الكبير: لماذا لا يثور العرب ضد الظلم والاستبداد؟ وقد تفاقم السؤال في وجوهنا بشكل أكثر جبروتية بعد انقضاء الحرب الباردة، إذ أزيحت عن صدور الشعوب، بدءاً بأوروبا الشرقية ثم امتداداً إلى مناطق أخرى من العالم، ديكتاتوريات عاتية ما كان يُظن أن إزاحتها تقع في نطاق الأمد المنظور. موجة الديمقراطية والانفتاح السياسي التي عمت جغرافيات عديدة في قارات الأرض لم تمر بالمنطقة العربية. صمد الاستبداد العربي بشكل مدهش وبقي السؤال العنيد: لماذا لا يثورون، ولماذا لا يتدمقرطون؟ صمد ذلك الاستبداد أيضاً في وجه حملة بوش الابن لدمقرطة الشرق الأوسط، وهي الحملة المشبوهة بأهدافها، لكنها أربكت السلطوية العربية إلى درجة دفعها لاحتواء الحملة بأشكال مختلفة وصلت إلى عقد القمة العربية سنة 2004 في تونس تحت عنوان الإصلاح! إن الانتفاضات التي نراها اليوم في طول وعرض العالم العربي تعيد ثقة العرب بأنفسهم أفراداً وشعوباً، وتنقض وتدمر مقولة الخضوع العربي للاستبداد، وتعيد الروح لنصيحة الكواكبي في مطلع القرن العشرين. والعربي الذي بُهر به نفس الاستشراق الكلاسيكي القديم بكونه متحرراً من كل قيد ومستبطناً لتحرر الصحراء وانفتاحها على اللاحدود، هو نفسه الذي ظلمه ذلك الاستشراق وكبله بمقولة الخضوع المؤبد للاستبداد والقبول به. وما نراه اليوم، بغض النظر عن الظروف الآنية والدافعة، يعني أن التوق للحرية والكرامة السياسية هو مشترك إنساني لا تُستثنى منه قومية أو شعب. ويعني أن المحرك الأساس في اندفاعات الناس والشعوب نحو تغيير ظروفها باتجاه الأفضل هو السياقات التاريخية والاقتصادية والسياسية وليس مزاعم التثاقف الجوهراني. وإذا ما تواجدت ذات السياقات وضغطت على شعب من الشعوب أو مجموعة بشرية هنا أو هناك، وحيث تسيطر ظروف متشابهة، فإن الاستجابات تكون متشابهة أيضاً. والحال أن السياقات التي مر بها العالم العربي وشعوبه ودوله الناشئة حديثاً ونخبة المرتبكة أدت في مجموعها إلى إطالة عمر الديكتاتوريات الداخلية التي وقعت في إغراء إمكانية مد سيطرتها على الحكم من دون أسقف زمنية. وشملت تلك السياقات صدمة الاستقلال المفاجئ والمجزأ والشرعيات المحلية البازغة الموازية له، والارتباك بين ما هو قومي وما هو قطري، وتقديم أولوية التنمية والبناء، ومواجهة التهديد الإسرائيلي متعدد الجبهات، على مطالب الحرية والديمقراطية والانفتاح السياسي، إضافة إلى خضوع المنطقة إلى تدخلات خارجية طاحنة. وقد أوجدت تلك السياقات ظرفاً تولدت فيه فسحة زمنية عريضة منحتها الشعوب لنخبها، ديكتاتورية كانت أم غير ذلك، كي تلتقط أنفاسها وتؤسس لدول ومجتمع سياسي ناجع وعادل. بيد أن كل المسوغات التي أقنعت الشعوب بإمكانية، وربما ضرورة، منح نخبها تلك الفسحة الزمنية انتهت وفقدت مفعولها. وزال الارتباك القومي القطري وتكرست سيادات البلدان وما عاد أيها بإمكانه استخدام فزاعة الذوبان في إطار وحدوي أعم من أجل إطالة نمط الحكم فيه. والشرعيات الثورية وغير الثورية التي اقتنصت الحكم في حقبة ما بعد الاستقلال وقامت عمليّاً على منطق "الغلبة" استنزفت رأسمالها التاريخي ولم تبق لها، أو لمن توارثها، أية مبررات يستقوي بها على الشعب أو حتى على النخب الجديدة الصاعدة ليبرر استمرار سيطرته على الحكم. كما أن مسوغ تحقيق التنمية وطحن الحرية والديمقراطية على مذبحها لم يعد يقنع أحداً، خاصة وقد ثبت تلازم الاثنين. فالتنمية الحقيقية والاقتصاد الناجح يستلزم حرية وشفافية وديمقراطية وقضاء نزيهاً يعلن حرباً لا تهدأ ضد الفساد. ذلك أن ما حققته كثير من البلدان العربية من تنمية نسبية ونجاحات اقتصادية، كان الفساد والمحسوبية يقف لهما بالمرصاد ويلتهم ما يتبرعم منهما. ونفس الأمر ينطبق على مسوغ إسرائيل والتدخلات الخارجية وقد استخدما كفزاعة دائمة لتأجيل الإصلاح والانفتاح السياسي والدمقرطة. فإسرائيل واحتلالاتها وتهديداتها زادت ولم تنقص في ظل شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". كما أن إسرائيل ذاتها، التي هزمت العرب مراراً وتكراراً، تقوم على نظام ديمقراطي وتعددية سياسية (طبعاً مع استثناء عنصريتها إزاء فلسطينيي الداخل)، ومع ذلك فهي تخوض حروباً وتنخرط في تهديدات وتنتصر فيها. ومعنى ذلك أن النظام الديمقراطي والحرية السياسية لا يقفان ضد تصلب وتصليب الإرادة الوطنية إزاء التهديدات الخارجية، وهناك أمثلة من العالم لا تحصى لتدعم هذه النقطة. وخلاصة الأمر أن ما كان قد اعتبر استثناء عربيّاً يسم العرب بجوهرانية وتأبيد الانتساب للاستبداد والثيوقراطية السياسية والقبلية والدينية لم يكن سوى التعبير العريض عن فسحة زمنية منحتها الشعوب العربية لنخبها في ظرف تاريخي وسياق سياسي محدد. ويبدو الآن أن هذه الفسحة في طريقها للانتهاء. والشيء المدهش والمعلم البارز في الاندفاعات والانتفاضات العربية الراهنة هو أنها شعبية بامتياز، كواكبية الروح، وليست نخبوية ولا تستطيع حتى الأحزاب السياسية والمعارضات ادعاء تحريكها وامتلاكها. ومعنى هذا أن الشعوب التي كانت قد قررت منح الفسحة الزمنية الموصوفة في هذه السطور هي ذاتها التي تسحبها الآن وتقرر مصيرها بيدها. وبعبارة أخرى فإن تعاليم ابن الشهباء التي استلهمها الشابي في نشيده الخالد حول إرادة الشعب واستجابة القدر لها ما تزال تخضوضر حول قبر كواكبي الحرية المدفون في القاهرة والطالع منها الآن.