من دروس الاحتقان في الشارع العربي... إلى التصعيد الجديد في التجاذب اللبناني الاحتجاجات الأخيرة في الشارع المصري، ومستجدات التجاذب الطائفي الراهن في لبنان، وعنوان المرحلة المقبلة في تونس، موضوعات عربية ثلاثة استقطبت اهتمام كُتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية. احتقان عربي حللت افتتاحية صحيفة لوفيغارو ليوم أمس (السبت) أبعاد أحداث الاحتجاج الجارية في مصر، بعد أسبوع على أحداث تونس التي تكشفت عن نهاية نظام بن علي، مشيرة إلى أن الاحتجاجات المصرية أخذت زخماً يمكن اعتباره منعطفاً سياسيّاً لم تعرف البلاد مثله منذ قرابة ثلاثين سنة. وقد أدى هذا الزخم، وسيولة الأحداث المتسارعة الناجمة عنه، إلى تغيير الحكومة. ويبقى السؤال إن كان ذلك كافيّاً وحده لامتصاص احتقان الشارع؟ ومع اتضاح دخول البلاد في مرحلة جديدة، تتجه الأنظار الآن إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في شهر أكتوبر بحكم كونها فرصة حقيقية للدخول في مرحلة تحول جاد نحو ديمقراطية يتم الإعداد لها منذ زمن مديد. ومع أن التحولات الكبرى من هذا القبيل لا تخلو من مجازفات ومخاطر إلا أن بقاء الحال على ما كان عليه ليس أيضاً هو أفضل الخيارات لضمان الاستقرار، وخاصة أن الاستقرار في الحالة المصرية يعني الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط كلها، والعكس صحيح أيضاً. أما صحيفة لوموند فقد ركزت في افتتاحيتها ليوم أمس على التأكيد بأن حراك الشارع في دول شمال إفريقيا يؤشر إلى وجود موجة توجه عام نحو الديمقراطية في الدول العربية- الإسلامية، متسائلة عما ينبغي أن يكون عليه موقف الأميركيين والأوروبيين من هذا الحراك الديمقراطي؟ وفي الإجابة ترى الصحيفة أن دعوات مراعاة الأحوال القائمة حفاظاً على الاستقرار مفهومة، دون شك، وخاصة في ضوء الفوضى العارمة التي ارتمى فيها العراق بعد إسقاط الأميركيين لنظامه السابق، وتعذر التوصل إلى تحقيق تحول ديمقراطي هناك زمناً طويلاً. ونظـراً لرعب تلك التجربة ومراراتها سعت بعض الجمهوريات العربية لتبرير الجمود السياسي وعدم الانفتاح، ولذا فليس على الأطراف الغربية الركون إلى الدعم الأعمى باسم الواقعية، التي يتقنع خلفها فتور الإرادة وعدم الفهم. وأخيراً رصد الكاتب موريس إلريك في افتتاحية صحيفة "لومانيتيه ليوم" أمس حالة الاحتقان العربي، فبعد تونس انتقلت الاحتجاجات إلى مصر، واليمن، هذا دون الحكم مسبقاً على ما يمكن أن يقع في بلدان مغاربية أخرى، حيث تجتاح الشارع الآن أمواج جيل جديد من الشباب، وصلت درجة غضبه واستيائه من الأوضاع القائمة حد إضرام بعض الشبان النار في أجسادهم. وينبغي أن يكون واضحاً أن أمواج الشباب هذه لا توجه رسالة إلى نظمها فقط، بل إلى المجتمع الدولي كله. ولكن المفارقة أن أثرياء العالم في الغرب، ومن يعتبرون أنفسهم صانعي قراره، مشغولون في هذه الأثناء في منتداهم الشتوي في دافوس، حيث يلعب هناك ساركوزي دور المصلح الاقتصادي! ويتساءل الكاتب: لكن ما وجه العلاقة بين الحدثين؟ مجيباً بسؤال آخر: هل ما يجري في العالم العربي يقع في كوكب آخر؟ إن كل هؤلاء الشبان، وجميع من يقفون وراءهم، يتسلحون بالإنترنت، والشبكات الاجتماعية، والغضب، معلنين رفضهم التام لأن يكونوا هم بؤساء الأرض، ولذلك خرجوا إلى الشارع الآن. وأخيراً يلاحظ الكاتب أن موقف فرنسا من موجة الاحتجاجات ما زال يشوبه غياب ملحوظ، وعدم حسم، ربما بانتظار معرفة اتجاه التيار. أما الموقف الأميركي فواضح، لأن أوباما يعرف أن مصر شريك بالغ الأهمية في أية عملية سلام واستقرار في المنطقة. التجاذب اللبناني الكاتب جورج مالبرينو اعتبر في تحليل نشره بصحيفة لوفيغارو أن "حزب الله" يبدو في الصورة الآن على أنه هو من كسب هذه الجولة من التجاذب المزمن من خلال وصول وشيك لحكومة مقربة منه. وما يخشاه المراقبون الآن هو أن يدفع الحكومة إلى رفض المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي يتوقع على نطاق واسع أن توجه قريباً الاتهام لأعضاء في "حزب الله" بالضلوع في اغتيال رفيق الحريري. وليس خافيّاً أن جهود الحزب المتواصلة لاحتواء الموقف أدت إلى إقناع أغلبية نيابية بدعم رئيس وزراء بديل هو نجيب ميقاتي، الملياردير السني المقرب من سوريا، حليفة قوى 8 آذار بما فيها "حزب الله". ومما زاد تعقيد موقف رئيس الحكومة المنصرف سعد الحريري تخلي المحسوبين على الزعيم الدرزي وليد جنبلاط عن دعمه، وتغييرهم الاتجاه، ليجد الحريري نفسه مضطراً في النهاية لقبول معطيات وتوازنات المعادلة الجديدة. والحال أن "حزب الله" يهدد منذ ستة أشهر بـ"قطع يد" كل من يسعى لتوقيف بعض عناصره. وإن كان الحزب بدا متشنجاً فذلك مؤشر على جسامة المعركة التي يخوضها. فاتهامه بالضلوع في جريمة اغتيال الحريري من شأنه توسيع شروخ الصدع المذهبي بين السنة والشيعة في العالم العربي، وتقوية الشكوك في مصداقية دعاواه بشأن مقاومة إسرائيل. ومن المفهوم أن أحداً لا يتمنى اليوم رؤية لبنان وهو يرتمي في أحضان العنف الطائفي، مثلما حدث في مايو 2008، حينما نزلت مليشيات "حزب الله" إلى شوارع بيروت لمواجهة أنصار سعد الحريري، يقول الكاتب. ومع هذا فإن الغرب لا يستطيع التنكر لالتزاماته بكشف خلفيات جريمة اغتيال الحريري. ومن المؤسف أن جهود الوساطة السعودية- السورية، الرامية إلى إيجاد خطوط توافق بين نصر الله والحريري، لم تتمكن من التوصل إلى الغايات المرجوة. وكان موقف الحريري واضحاً حيث إنه لا يستطيع قيادة حكومة تتنكر لمحكمة تروم كشف قاتلي والده. وينتهي الكاتب إلى القول إن ما يخشاه المراقبون للشأن اللبناني اليوم هو ألا تتوقف جهود "حزب الله" الرامية إلى وضع اليد على لبنان، عند هذا الحد. إذ يسود اعتقاد بأن ثمة ثلاثة أسماء سُنية أخرى تشغل مواقع بالغة الأهمية يطالب الحزب أيضاً برؤوسها، هي أشرف ريفي قائد قوى الأمن الداخلي، المقرب من معسكر الحريري. ووسام الحسن، الموجود على رأس الاستخبارات، والمقرب أيضاً من الحريري، ويتهمه الحزب بالضلوع فيما يسميه قضية "شهود الزور". وأخيراً سعيد ميرزا، المدعي العام، لطي صفحة التحقيق في اغتيال الحريري. تونس الجديدة استعرض مراسل صحيفة لوفيغارو في تونس ملامح المشهد السياسي السائل في تونس ما بعد الثورة، في ضوء التجاذب الحاد، بين شرائح من الشعب والنخبة، حول عنوان المرحلة المقبلة. وفي هذا المقام اعتبر الكاتب أن حكومة الوحدة الوطنية الجديدة ما زالت تواجه اعتراضات واسعة من قبل قطاعات من الشارع تطالب باستبعاد وجوه فيها من ضمنها رئيس الحكومة محمد الغنوشي الذي كان يشغل نفس الموقع في عهد الرئيس المخلوع، كما يطالب المحتجون بحل الحزب الحاكم السابق، التجمع الدستوري الديمقراطي. أما النخب فترى أن رئيس الحكومة محمد الغنوشي معروف بنظافة اليد، ولا توجد أية مآخذ سياسية أو شبهات فساد ضده. وفي انتظار تنظيم انتخابات حرة ونزيهة فستكون مهمته بكل بساطة قيادة مرحلة انتقالية، ولذا فوجوده ضرورة لأن المكاسب التنموية المهمة التي أحرزتها تونس خلال فترة الاستقرار لا يمكن التفريط فيها، بأي شكل. وعلى رغم الالتزامات المحددة التي أطلقها الغنوشي مثل التحرير الكامل لوسائل الإعلام والتعبير، والاعتراف بالأحزاب والقوى السياسية، وتنظيم انتخابات في أجل لا يتجاوز ستة أشهر، إلا أن اعتراضات متواصلة بقيت تسجل في الشارع، في تعبير عن ارتفاع سقف تطلعات التونسيين، في مرحلة ما بعد الثورة. وإن كانت الأحزاب والطبقة السياسية، بصفة عامة، بدت أكثر تقبلاً وتفهماً لضرورات ومقتضيات مرحلة التحول، المقبلة، ولذا تعاطت بإيجابية مع الحكومة بعد تعديلها وتطعيمها بشكل واسع بوجوه جديدة، لتنفتح بذلك كل الطرق المؤدية إلى بزوغ تونس أخرى جديدة، ستظل كافة ملامحها تتشكل خلال الستة أشهر المقبلة. إعداد: حسن ولد المختار