كنتُ أريد كتابة هذا المقال عن "النخبة والأمة" قبل اندلاع التوتُّر السياسي الأخير بلبنان. وكان الكلام سيتناول الليبراليين السعوديين باعتبارهم جزءاً من "المشكلة" التي تُعاني منها شعوبُنا ودُوَلُنا منذ عقود، وما آلت إليه الأُمور لديهم ولدى الناس بعد التحركات الشعبية بتونس ومصر. ثم اندلعت أحداثُ لبنان، ومن ضمنها ظهور أمين عام "حزب الله" بفضائية "المنار" التابعة للحزب، وإعلانه تسمية ميقاتي رئيساً للحكومة اللبنانية القادمة. وتلت ذلك استشاراتٌ نيابيةٌ كانت قد تأجَّلَتْ، وفاز في الاستشارات الجديدة ميقاتي بالفعل، رغم وقوف أكثرية نواب أهل السنة الساحقة ضدَّه، وها هو مُقْبلٌ على تشكيل الحكومة العتيدة التي ستخلو من ممثلينا المنتخَبين باستثناء واحدٍ أو نصف واحد. إلى هنا لا شأن لإخواننا الليبراليين، سعوديين وغير سعوديين، بكلّ ذلك. إنما في الأيام التالية لذلك اليوم العصيب في نظرنا، أقبل المسمَّون بالليبراليين من السعوديين وغيرهم على كتابة المقالات في التهوين من شأن ما جرى، والقول إنهم نصحوا الحريري منذ البداية أن لا يتولى رئاسة الحكومة، تارةً لأنه صغير السنّ، وطوراً لأنه سيكون رهينةً بأيدي خصومه السياسيين. وما انزعجتُ من كلام هؤلاء من قبل، وسأوضّح لماذا أنا منزعجٌ من كلام المتلبرلين السعوديين الآن. ما انزعجتُ في السابق، لأنني كنتُ أحسب أنّ ذلك من باب الحرص على الاستقرار وعلى تجنب النزاعات في لبنان، بعد اغتيال الحريري الأب. وكنتُ أقولُ لهم: وجهة نظركم محترمة وأنا أثِقُ بنواياكُم، لكنّ الواقع أنّ الحريري خاض معركتين انتخابيتين، عام 2005 وعام 2009، وفاز فيهما بالأكثرية هو وحلفاؤه. وهناك وجهٌ آخَر لأرجحية الحريري عليكم أخذه في الاعتبار. فهو ما اتخذ مساراً ثارياً ولا استفزازياً في عمله السياسي؛ بل حالف "حزب الله" و"أمل" في انتخابات عام 2005، وشارك هذان الطرفان في حكومة السنيورة المؤيَّدة من الحريري، وعندما جاء الحريري بنفسه لرئاسة الحكومة، شكّل حكومة وحدةٍ وطنيةٍ بعد مفاوضاتٍ مع مَنْ تسمُّونهم خصومه لأكثر من خمسة أشهُر، وزار سوريا أربع مراتٍ، وقال بأنه لن يلجأ في حالات الاختلاف إلاّ إلى الحوار والتوافُق. وعندما انفضّت حكومته قبل عشرة أيام، كان ذلك باستقالة الوزراء الشيعة ووزراء الجنرال عون وأحد الوزراء المحسوبين على سوريا، رغم تعهدهم بأن لا يستقيلوا ولا يعطّلوا العمل الوزاري في اتفاقية الدوحة! لماذا أنا منزعجٌ من بعض الليبراليين السعوديين الذين اتخذوا في الأيام الأخيرة مواقف سلبية من الحريري وأنصاره (وهم كلُّ أهل السنة، ونصف المسيحيين على الأقلّ)؟ لأنهم هذه المرة لا يقصدون التهدئة والمسالمة؛ بل يريدون إيهام الناس (ولصالح النظام السوري وحزب الله) بأنّ الموقف السعودي منقسمٌ من حولنا نحن أهل السنة، وحلفاؤنا في 14 آذار، وأنَّ الذين أتوا بميقاتي يملكون "فائدة الشكّ"، باعتبار الموقف السعودي غير واضح. وهو أمر حاول ميقاتي نفسه الإيهام به أيضاً، ذاهباً إلى أنّ الفرنسيين والسعوديين والأتراك والقطريين كلُّهم معه! وليست المسألة هنا أنّ ميقاتي وبعض الصحفيين السعوديين صادقون أو غير صادقين؛ بل لأننا نحن المسلمين في لبنان نعتبر أنّ الملك عبد الله بن عبد العزيز معنيٌّ بنا وبسلامة لبنان واستقراره. وقد أعلن الملك قبل أُسبوعين عن انسحاب المملكة من المساعي السعودية السورية لأنها وصلت إلى طريقٍ مسدود، ثم صرَّح وزير الخارجية السعودي بأنّ المساعي المشتركة انتهت، وأنه يخشى على لبنان الفُرقة والانقسام. ومن يمثّل سياسة المملكة إن لم يمثّلها الملكُ ووزيرُ خارجيته؟! وقد ازددْنا إدراكاً لأسباب رفع السعودية الغطاء عمن يريد الاستيلاء على شأننا العام، الإسلامي والوطني، عندما ذكر الوسيطان التركي والقطري أنّ الرئيس الأسد قال لهما إنه لا يريد الحريري في رئاسة الحكومة، وكرَّر أمين عام "حزب الله" ذلك على مسامع الوسيطين، ثم في التلفزيون. لستُ أدري، أيها الليبراليون الأشاوس، سعوديين وغير سعوديين، أيُّهما أكثر ليبراليةً وديمقراطية: الرئيس السوري و"نصر الله"، أم الحريري والسنيورة؟ ثم إننا لا نحتكم في هذه المسألة إلى الحبّ والكراهية، بل إلى القوة التمثيلية الشعبية لهذه الأطراف، وقد فاز هذا الطرف بالأكثرية النيابية، مرةً بالتحالُف مع "حزب الله" و"أمل"، والمرة الأخيرة في مواجهتهما! ولندع هذا الموضوع مؤقتاً، ولنوسَّع الدائرة لتضمَّ المساحة العربية المتحركة الآن. فالليبراليون العرب ظلُّوا لعقودٍ يلوذون بالأنظمة الاستبدادية هنا وهناك، بل وطربوا لدعوات الغُزاة الأميركيين للديمقراطية. وانصرفوا كلَّ الوقت لمصارعة الإسلاميين باعتبارهم مدنيين وعلمانيين، وكانوا يظنُّون أنّ الأنظمةَ سوف تُرحِّبُ بهم، وتستمعُ إلى أُطروحاتهم. إنما الذي حصل أنّ أنظمة الضباّط الخالدة هذه، كانت وما تزال تعمل مع الأميركيين بطريقةٍ أو بأُخرى. والأميركيون كانوا يقتلون الناس في العراق وأفغانستان، ويقولون إنهم يريدون فرض الديمقراطية على الأنظمة، وبينما كان إقليميون آخرون يحرضون الناس على الأنظمة، ويقسّمون المجتمعات، ويقولون إنهم يريدون إثارتنا ضد الأميركيين والإسرائيليين. وهذا هو الدور الذي لا يزالوا يلعبونه في العراق وفلسطين ولبنان. والبارزُ الآن أنّ الناسَ تحركوا من أجل التغيير، وقد تحركوا بمجموعهم، وليس الإسلاميين الحزبيين وحسْب. ولستُ آخُذُ هنا على الإسلاميين أنهم لم يتحركوا؛ بل آخُذُ عليهم أنهم ما كانوا يُفرِّقون بين الحركة من أجل التغيير، والمُضيّ مع الانقسامات التي عمل عليها البعض ودخلوا هم معهم فيها بحجة أنهم والليبراليون إنما يتحالفون مع الثوريين أعداء أميركا وإسرائيل! لقد تحمل الإسلاميون عبء المعارضة وتضحياتها خلال عدة عقود، لكنّ اُطروحاتهم نفّرت بقية فئات الشعب منهم أو أنها لم تجذبهم. وها هي الشعوب تتحرك بكاملها، وهم جزءٌ منها. فعليهم أن لا يخطئوا ويسيروا خلف هذه الفضائية أو تلك في تصوير التحرك بمصر باعتباره تحركاً حزبياً إسلامياً، بعد أن فشلوا في فعل ذلك مع حركة الشعب التونسي، وبدلاً من أن يذهب زعيم حركة "النهضة" من لندن إلى تونس، ذهب إلى قطر، والأمل أن لا ينضمَّ إلى فريق الفضائية هناك، لتجنيب فريقه الأضرار التي يمكن أن تترتّب على ذلك. أيها الإخوة الليبراليون! أيها الإخوة الإسلاميون! لقد تحركت الشعوب العربية، وها هي تتقدم واحداً بعد آخر على الدرب الطويل للتغيير والمشاركة واستلام إدارة شأنها العام. وما عاد من الممكن قَسْرُ حركتها على رفع شعارات التنوير النخبوي من جانب حكومات الضُبّاط، ولا على شعارات الدولة الإسلامية شأن ما أمَّلَهُ البعض من الثورة التونسية. ولستُ أريد منكم أن تُغيّروا عوائدكم، لأنّ هذا وعْيٌ تربَّى لديكم عبر عقود، بل الذي أطلبه منكم ولصالحكم: أسكتوا لحفظ أنفسكم ومصالحكم، أو يصيبكم ما أصاب متنوِّري النظام التونسي، والسلام ختام. Summary