لا يمضي يوم واحد إلاّ ويحمل دليلاً جديداً على معايير أميركا المزدوجة في الشرق الأوسط. فعندما أدانت محكمة العدل الدولية "جدار الفصل العنصري" الذي تبنيه إسرائيل على أراضي الضفة الغربية، رفض البيت الأبيض على الفور قرار المحكمة باعتباره قراراً "غير مناسب" ليفوّت بذلك فرصة لاستعادة شيء من مصداقيته المتضررة في العالمين العربي والإسلامي.
ومن شأن القوة العظمى الحكيمة أن ترحّب بقرار المحكمة الدولية وأن تستخدمه لإقناع إسرائيل بالتفاوض على حل سلمي لنزاعها مع الفلسطينيين بدلاً من سعيها إلى فرض إرادتها بالقوة. غير أن هناك، على ما يبدو، نقصاً في مخزون الحكمة لدى واشنطن- وخصوصاً في سنة انتخابية كهذه. لقد كان الانحياز الأميركي إلى إسرائيل واضحاً وصارخاً بخصوص موضوع الأسلحة النووية. وبموجب بنود اتفاق عام 1969، وافقت الولايات المتحدة الأميركية على التعامي عن قيام إسرائيل بتطوير الأسلحة النووية بشرط أن تمتنع إسرائيل عن قول أي شيء علناً حول تلك الأسلحة وأن تحجم عن اختبار تلك الأسلحة. وكان ذلك هو أساس سياسة "الغموض النووي" التي اتبعتها إسرائيل، وهو ما يعني أنها لم تؤكّد أو تنكر على الإطلاق حتى الآن حيازتها لأسلحة نووية.
ويشكّل ذلك ما هو أكثر من خيال دبلوماسي، فالخبراء يعلمون منذ عقود من السنوات أن إسرائيل قوة نووية، وهي حقيقة باتت معلومة لعموم الجمهور بسبب الحقائق التي كشف عنها "مردخاي فانونو" الفنّي النووي الإسرائيلي السابق الذي التقط صوراً فوتوغرافية من داخل مفاعل "ديمونة" الإسرائيلي، ونشرتها صحيفة "صانداي تايمز" التي تصدر في لندن؛ وقد عوقب "فانونو" على ذلك بسجنه لمدة 17 عاماً. وأدّى إطلاق سراحه في الآونة الأخيرة إلى إعادة فتح الموضوع من جديد. وليس هناك اليوم أحدٌ يساوره شك في أن إسرائيل تمتلك المئات من الأسلحة النووية الاستراتيجية والتكتيكية إضافة إلى منظومات الإطلاق المناسبة.
ويعتقد الدكتور محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذّرية التي تتخذ من فيينا مقراً لها، أنَّ حيازة إسرائيل للأسلحة النووية هي أبعد ما تكون عن تحقيق الاستقرار في المنطقة وأنها، على النقيض من ذلك من حيث الأساس، هي ما يتسبب في زعزعة الاستقرار داخل المنطقة. ذلك لأنها تحثّ البلدان الأخرى على السعي إلى الحصول على عناصر الردع الخاصة بها، من أسلحة كيميائية وبيولوجية ونووية.
وفي زيارة له إلى إسرائيل ما بين 6 و8 من شهر يوليو الجاري، حاول الدكتور البرادعي إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي "أرييل شارون" بالتوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي وبفتح المفاعلات النووية الإسرائيلية أمام المفتشين المنتدبين من الأمم المتحدة. ومن نافلة القول إن محاولة البرادعي تلك لم تنجح. وكان مضمون الحجة الإسرائيلية دوماً هو أن إسرائيل تواجه تهديداً فريداً يُحدق ببقائها القومي وأنها بالتالي تحتاج إلى سلاح "الملاذ الأخير".
وقبل ساعات من وصول البرادعي إلى إسرائيل، قال "أرييل شارون" لراديو الجيش الإسرائيلي "لا أدري ما الذي سيأتي (البرادعي) لرؤيته. إن إسرائيل مضطرة إلى الإمساك بكل عناصر القوة الضرورية لحماية نفسها بنفسها. لقد أثبتت سياستنا النووية وجودها وهي سوف تستمر". ويعني ذلك بكلمات أخرى أن إسرائيل تواصل رفضها لوجود مراقبة دولية لأسلحتها النووية، وهي تسعى إلى منع أية دولة أخرى في المنطقة من تحدّي الاحتكار الإسرائيلي للقوة النووية. وقد رفض المسؤولون الإسرائيليون مناقشة موضوع الترسانة النووية الإسرائيلية مع الدكتور البرادعي، لا بل أكّدوا بدلاً من ذلك على التهديد الذي تشكله المقدرة النووية الإيرانية. وقال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية اللواء "أهارون زئيفي فركش" للتلفزيون الإسرائيلي إنه يعتقد أن إيران قادرة على تطوير قنبلة نووية بحلول عام 2008 إذا لم يتم إيقاف برنامجها النووي من قِبَل المجتمع الدولي. وقد تحججت إيران على نحو متواصل بأن نشاطاتها النووية مخصصة تماماً لأهداف سلمية، غير أن هناك حقيقة باقية مفادها أن الانتقال إلى مرحلة إنتاج الأسلحة النووية هو أمر ممكن فور إتقان إجراء دورة الوقود النووي المعنية بتوليد الطاقة الكهربائية. وتقول المصادر الإسرائيلية إن إدارة الرئيس "جورج دبليو بوش" ملتزمة بالتصرف بغية منع إيران من التحول إلى قوة نووية.
وتماماً كما كانت إسرائيل متحمسة وتوّاقة إلى قيام الولايات المتحدة الأميركية بشن هجوم على العراق، فإنها الآن أيضاً تمارس الضغوط على واشنطن لمواجهة إيران. ففي السادس من شهر مايو الماضي، وافق مجلس النواب الأميركي على تمرير قرار يعطي تفويضاً باستخدام "كل الوسائل المناسبة" لوضع نهاية لتطوير إيران للأسلحة النووية. ولم يُجرِ مجلس الشيوخ الأميركي حتى الآن تصويتاً على هذا القرار. فما هي الخيارات الممكنة أمام الولايات المتحدة وإسرائيل؟
- الخيار الأول يعبّر عنه سيناريو تجري الآن مناقشته في الصحافة الأميركية، وهو يقتضي القيام بشنّ هجوم أمير