من المتوقع أن تنظم قمة المنتدى الاقتصادي العالمي التي ستعقد في دافوس السويسرية الأسبوع الحالي، حول فكرة "مفاهيم مشتركة للواقع الدولي الجديد". ومثلما حدث في المؤتمرات السابقة، قد تشهد القمة الحالية كثيراً من النقاش عن الطريقة التي يمكن بها التصدي للتحديات الدولية لعالم متعدد الأقطاب ويزداد فيه اعتماد الدول على بعضها أكثر من أي وقت مضى في العلاقات الدولية. لكن من الواجب القول إن صفة "الواقع الجديد" التي تنعقد حولها قمة دافوس هذه، لم تعد جديدة كما تصورها منظمو المؤتمر. فكثيراً ما كتب الساسة والمعلقون والمحللون -في دافوس وخارجها- عن ظهور أسواق جديدة، وعن انتقال النفوذ الاقتصادي بعيداً عن الغرب. ولا شك أن هذه الفكرة باتت تمثل محوراً -مختلفاً عليه- لاقتصاد عالمنا المعاصر وعلاقاته الجيوسياسية. ذلك أن صعود عالم الدول النامية يسهم اليوم كثيراً في تشكيل فهمنا للفرص الاستثمارية، وتوازن القوى العسكرية، والحكم الدولي..وغيرها من قضايا. لكن ومع ذلك يظل فهمنا لـ"الواقع الدولي الجديد" ناقصاً بعض الشيء، خاصةً فيما يتعلق منه بواقع الفقر العالمي. فلا يزال فهمنا لقائماً على معلومات عام 2005، وهو أحدث تاريخ وفّر فيه البنك الدولي بيانات ومعلومات عن عدد الأفراد الذين يقل دخلهم اليومي عن 1.25 دولار. وبذلك فقد ساد الحديث على نحو متكرر ومستمر عن أن عدد فقراء العالم يبلغ حوالي 1.37 مليار شخص، بمن فيهم 456 مليوناً في الهند، و208 ملايين في الصين. لكن هذه المعلومات أصبحت قديمة نوعاً ما، ومتأخرة عن الواقع بما لا يقل عن ستة أعوام. وخلال هذه السنوات تغير الكثير من هذه الإحصائيات. فعلى سبيل المثال، اتسعت اقتصادات الدول النامية بنسبة 50 في المئة، على رغم تأثيرات الركود الاقتصادي الأخير. وفوق ذلك، فقد كانت معدلات النمو الاقتصادي مرتفعة خلال السنوات الست الماضية في الدول النامية ذات الكثافة السكانية الكبيرة من الفقراء بصفة خاصة: في الهند والصين بالطبع، ثم تليهما بنجلاديش وتنزانيا وإثيوبيا وفيتنام وأوغندة وموزمبيق وأوزبكستان. فهذه الدول التسع مجتمعة كانت تمثل موطناً لما يقارب ثلثي فقراء العالم وفقاً لإحصاءات البنك الدولي لعام 2005. ولكنها تشهد جميعها تقدماً اقتصادياً كبيراً اليوم. وفي التقرير الحديث الذي نشرته مؤسسة بروكنجر بعنوان "الفقر في أرقام: تحول أوضاع الفقر العالمي بين عام 2005 و2015” فقد أجرينا تحديثاً لمعلومات البنك الدولي المتعلقة بعدد سكان العالم الذين يقل دخلهم اليومي عن 1.25 دولار، كي نبين كيف تغير مشهد الفقر العالمي نتيجة لظهور أسواق عالمية جديدة. وتوصلت تقديراتنا إلى نجاة ما يقارب نصف المليار نسمة في مختلف أنحاء العالم من قسوة الظروف المعيشية بين الأعوام 2005-2010. وعليه فقد استنتجنا أنه لم يحدث في تاريخ العالم كله أن أفلتت أعداد بهذا الحجم من البشرية من قيود الفقر في زمن قياسي قصير كهذا. وفي هذا الصدد، يجب القول إن الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة التي أعلنتها الأمم المتحدة، والرامية إلى خفض معدلات الفقر العالمي إلى النصف خلال الفترة الممتدة بين عام 1990-2015، قد تحققت سلفاً منذ عام 2008، أي قبل سبع سنوات على الأقل من الموعد المحدد لها. وباستخدامنا للتنبؤات المتعلقة بنمو مستوى الاستهلاك الفردي، توصلنا إلى أن عدد فقراء العالم سوف ينخفض إلى أقل من 600 مليون نسمة فقط. ووفقاً لهذا المعدل، فإن ذلك يعني أن الفقر العالمي سوف يكون قد انخفض إلى النصف مقارنة بما كان عليه في عام 1990، ثم إلى نصف آخر بحلول عام 2015، أي أنه سوف ينخفض إلى ربع ما كان عليه في عام 1990. والحقيقة أن معدلات الفقر العالمي تواصل انخفاضها في مختلف مناطق العالم ودوله، وإن تفاوت هذا الانخفاض بين دولة وأخرى، ومنطقة وأخرى. فأسواق آسيا النامية تسجل نجاحاً قياسياً. وعليه فإن من المتوقع أن يسجل العملاقان الآسيويان -الهند والصين- ثلاثة أرباع انخفاض معدلات الفقر العالمي خلال الفترة الممتدة بين 2005-2015. وخلال الفترة نفسها، يتوقع أن ينخفض إسهام القارة الآسيوية في معدل الفقر العالمي من ثلثي العدد الكلي لفقراء العالم، إلى ثلث واحد فحسب. وبالمقارنة، من المتوقع أن ترتفع مساهمة أفريقيا في عدد الفقراء العالميين إلى نسبة تقارب الـ60 في المئة. وعلى رغم ذلك تظل أفريقيا تحقق تقدماً اقتصادياً. فحسب تقديراتنا، تمكنت أفريقيا من خفض معدلات الفقر فيها إلى نسبة تقل عن 50 في المئة خلال عام 2008، وهي أكبر نسبة تحققها في تاريخها. وبحلول عام 2015، يتوقع أن تنخفض معدلات الفقر الأفريقي إلى أقل من 40 في المئة، وهي نسبة لم تحققها الصين حتى منتصف عقد تسعينيات القرن الماضي! وهذا ويرجح أن تثير هذه المعلومات والإحصاءات الجديدة دهشة المؤتمرين في دافوس لهذا العام. لكن من الواجب ألا يندهش المؤتمرون طالما أنهم يدركون أن لب النمو الاقتصادي يكمن في انخفاض معدلات الفقر. ولدى تطبيقنا لهذه القاعدة على الدول النامية، فإن ظهور العديد من الأسواق التي حققت نجاحاً كبيراً في الدول النامية، لا يمكن فهمه إلا من منطق حدوث انخفاض كبير في معدلات الفقر في دول العالم النامي هذه. وعلى المؤتمرين في دافوس تحديث معلوماتهم وإحصاءاتهم عن الفقر العالمي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لورانس شاندي: زميل ببرنامج الاقتصاد والتنمية العالمية بمؤسسة بروكنجز جيفري جيرتز: محلل أبحاث في البرنامج ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس"