تتأثر القيادات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العديد من دول العالم خاصة الغربية منها بما تقدمه مراكز الأبحاث الفكرية من دراسات وتقارير، بل إنها تؤثر على الرأي العام عن طريق مجموعة من الأساليب المتقنة، وإذا أخدنا مثال الولايات المتحدة الأميركية، فإن الإحصائيات تشير إلى أنها تتوفر على ما يزيد عن 1400 مركز ومؤسسة تعنى بالعلاقات الدولية، منها مؤسسات تقدم دراسات وأبحاثاً متخصصة في القضايا السياسية كمجلس العلاقات الخارجية الذي يصدر دورية شهرية هي "شؤون خارجية"، ومنها مراكز الضغط السياسية التي تستخدم نتائج أبحاثها للضغط على الإدارات الأميركية في صناعة القرار كمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي يضم نخبة من السياسيين والأكاديميين البارزين كهنري كيسنجر وهارولد براون. وهناك مراكز خلقت للدفاع عن مصالح إسرائيل كمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، للدعاية لإسرائيل في المجالات الأمنية والعسكرية أو ما يسمى بالأذرع الفكرية الإسرائيلية في واشنطن، وهذه المراكز تتوفر على إمكانيات مادية وبشرية ضخمة، وتؤثر بشكل جلي على السياسة الخارجية الأميركية. أما في عالمنا العربي، فما زال عدد ودور هذه المراكز محدوداً على رغم وجود قدرات فكرية وكفاءات بشرية متميزة يمكنها أن تساهم في التجدد المعرفي والتخطيط المستقبلي، بل ويمكنها أن تساهم في التأثير على السياسات العامة الداخلية والخارجية. وقد لمست هذا جليّاً خلال زيارتي الأسبوع الماضي للقاهرة حيث وقعت باسم "المركز المغربي متعدد التخصصات للدراسات الاستراتيجية والدولية" مذكرة تفاهم واتفاقيات مع المجلس المصري للشؤون الخارجية ومركز المعلومات واتخاذ القرار، حيث يتوفران على نخبة من المختصين والكفاءات تتميز بتنوع انتماءاتها وخلفياتها المهنية داخل المجال الواحد؛ وكانت مناسبة لي وللإخوة الأعضاء في المجلس المصري للشؤون الخارجية لتبادل وجهات النظر في ثلاث قضايا مهمة تهم مصير دول المغرب العربي بالخصوص وهي "الاتحاد من أجل المتوسط"، والمستقبل السياسي للمنطقة على ضوء أحداث تونس، وقضية الإرهاب. أما "الاتحاد من أجل المتوسط"، فيبقى كما ذكرت مراراً على أعمدة هذه الجريدة "الاتحاد"، رهيناً بمستقبل المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، وما لم يحل هذا المشكل، فإن ما تم الاتفاق عليه في قمة باريس (يوليو 2008) سيؤول إلى فشل ذريع لتداخل العوامل السياسية مع العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في الشراكة الأورومتوسطية. أما ما يحدث اليوم في تونس، فقد ذكّرت بالمسار التاريخي والسياسي للدول الثلاث الرئيسية في المغرب والجزائر وتونس، ومنذ فرار بن علي من تونس، أسيل مداد كثير لتفسير ما وقع إلا أنني أريد التأكيد على خمس نقاط رئيسية: - أن الملكية في المغرب، خلافاً للجمهورية في تونس (والبلدان نالا استقلالهما سنة 1956)، لها شرعية تاريخية مبنية على رباط مقدس بين العاهل ورعيته يعبر عنه في احتفال البيعة الذي تقيمه الأمة/ الجماعة، بكل مكوناتها، وتنزه الملك عن الصراعات والتحزبات التي يمكن أن تعرفها الأمة/ الجماعة. أما في تونس فكانت شرعية بورقيبة ثم بن علي تستمد من الحزب الحاكم . - أما الجزائر (التي نالت استقلالها سنة 1962) فكان الجيش هو المجسد الحقيقي لبناء الدولة الحديثة ما بعد الاستقلال. - المغرب هو الدولة الوحيدة في المنطقة الذي لم يمنع التعدد الحزبي (وإن كان تحت المراقبة) منذ الاستقلال، إلى أن وصلت المعارضة التاريخية إلى الوزارة الأولى سنة 1998 في شخص الاشتراكي عبدالرحمن اليوسفي، فكانت بداية انطلاق الانتقال الديمقراطي في المغرب. - الفرضية القائمة على جدلية "التنمية أولاً" التي مفادها أن الديمقراطية ستتبع آخر الأمر التقدم الاقتصادي، هي في الواقع أمر خاطئ وشيء خطير، لأن الاحتكار السياسي في الأنظمة السلطوية غالباً ما يتحول إلى احتكار اقتصادي مما يضعف المنافسة والابتكار ويكبت الحريات العامة وحقوق الإنسان. - أن فرص التحول السريع إلى الديمقراطية مسألة في غاية الصعوبة والحساسية، وهناك أربعة مسارات تاريخية في الانتقال الديمقراطي وذلك إما عن طريق الثورة، أو التدخل الأجنبي، أو تأثير الدول المجاورة، أو الميثاق؛ ويبقى الميثاق التعاقدي هو أنجع طريقة للتسوية السياسية لأنه يضبط حدود هذا الوفاق والتوافق بالنسبة إلى كل الأطراف ويعكس أيضاً التوازنات الدقيقة بينها. أما النقطة الأخيرة، فقد أكدت للإخوة أعضاء المجلس المصري للشؤون الخارجية ما أكدته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية مؤخراً عن التواطؤ القائم بين "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" والبوليساريو، واعتبرت أن التأخر الذي تعرفه تسوية قضية الصحراء أدى إلى التقاء مصالح بين الانفصاليين وهذا التنظيم الإرهابي الذي ينشط في منطقة الساحل الإفريقي وشمال إفريقيا؛ ولاحظ تقرير المجلة أن الاعتقالات الأخيرة التي تمت في صفوف البوليساريو من طرف بعض دول المنطقة تؤكد تورط هذه المجموعة في تهريب الأسلحة والمخدرات والمساعدات الإنسانية بتواطؤ مع فرع "القاعدة" في شمال إفريقيا. وفي الختام أريد أن أشارك قراء جريدة "الاتحاد" غبطة أعضاء مجمع اللغة العربية والمجمع العلمي المصري بمرور تسع وتسعين سنة من حياة رئيسهما الأستاذ محمود حافظ، وهو في الأصل أستاذ في علم الحشرات وابن بار لكلية العلوم، وقد ربطتني بهذه الشخصية العظيمة صلات الأخوة والمحبة منذ أن استقبلته بمدينة فاس في أحد المنتديات الدولية، وتعجبت كيف أن عالماً في مثل هذا السن يسافر حبّاً في العلم والمعرفة، وكيف يتوفر على ذاكرة فولاذية تصيب عارفيه بدهشة شديدة، أطال الله في عمره.