عقود عدة مرت على النظام العربي ونحن نعيش في عصر الوهن والتراجع العربي في منطقة نحن من نشكل أغلبيتها البشرية والاقتصادية والسياسية بمقدرات وثروات ودخول وموارد طبيعية، ولكننا نعجز أن نصبح الرقم الصعب في المعادلة المعقدة. وتضعفنا وتكبلنا أحزمة الفقر والجوع والبطالة والتسلط والعجز! لقد كانت القمة الاقتصادية الأخيرة هي أول قمة عربية تعقد بعد سقوط نظام بن علي في تونس وانطلاق ثورة الياسمين التي قرعت أجراس إنذار غطت العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه وهو يتابع ظاهرة حرق الأجساد بسبب الجوع والفقر والقهر والبطالة، ولذا طغى على هذه القمة الاقتصادية الثانية الشأن التونسي. ولعل أقل ما يمكن قوله، في هذا المقام، إن حالة العرب مع مطلع العام الجديد غير مطمئنة، وأن إرهاصات الأسبوعين الأولين منه خاصة لا تشي بالاطمئنان. ولم أكن أتوقع بأكثر حالات التشاؤم عقب مقالي قبل الأخير "حال العرب بين عامين" سرعة تدافع الأحداث، مع أنني سردت فيه الواقع العربي المرير خلال العام الماضي وآلام المخاض الصعبة في أكثر من دولة ومجتمع، من تقسيم وتفتيت السودان، وترقب وتفجير لبنان، وانهيار نظام وتغييرات غير مسبوقة في تونس، وعدوى وتمدد الحالة التونسية في أكثر من مكان ومجتمع! والراهن أن تونس التي شهدت زلزالاً غير مسبوق قضى على نظام حكم بالقمع والحديد والنار والفساد، وشهدت ثلاثة رؤساء في ثلاثة أيام في ثورة الياسمين، ولا يزال مبكراً تلمس مآل الثورة الشعبية التونسية التي لم تكن واضحة المعالم والقيادة والمستقبل، ولكن ارتداداتها الكبيرة وصلت إلى الأطراف العربية القريبة والبعيدة بعدما سمع قرع أجراس إنذار تونس التي وصلت وأحدثت سلسلة التغييرات السريعة. وسارعت الدول لاتخاذ خطوات استباقية بتخفيض الأسعار والتوظيف ودعم أسعار المواد الأساسية مثل الغذاء والخضار والغاز والبنزين، وزيادة الرواتب. وأعلن الرئيس المصري في القمة أن "الشباب العربي أغلى ما تملكه الدول العربية" مشيراً إلى أنه "بفكرهم وسواعدهم نصنع مستقبل أمتنا". ولكن عمرو موسى دق جرس إنذار في القمة معلقاً أن "النفس العربية منكسرة بالفقر، والبطالة، والتراجع العام في المؤشرات الحقيقية للتنمية، هذا بالإضافة إلى المشاكل السياسية التي لم نستطع حل أغلبها". أما لبنان الوطن الذي يبقى في غرفة الانتظار خشية الانتقال إلى غرفة العناية الفائقة، ويعيش ويقتات من أزمة إلى أخرى، فقد دخل الأسبوع الماضي نفقاً خطيراً يُنذر بفراغ حكومي قد يمتد لأشهر لينافس الحالة العراقية ويدفع لبنان للقفز إلى المجهول. وفي محطة أخرى دعت الوزيرة كلينتون في "منتدى المستقبل" في الدوحة القادة العرب إلى مكافحة الفساد وضخ حياة جديدة في أنظمتهم السياسية الراكدة. وحثت حكومات الدول العربية على الإصغاء لمواطنيها وتوفير فرص العمل. وشكلت الكويت حالة فريدة في الواقع العربي المنهك، حيث قدم وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد استقالته على خلفية وفاة أحد المواطنين الكويتيين من جراء التعذيب، وتأكيده "لا أرضى ولا يشرفني أن أقود وزارة تعتدي على المواطنين" قبل أن تجمد استقالته بانتظار قرار لجنة التحقيق البرلمانية مع وقف قياديين كبار في وزارة الداخلية خاصة في إدارة المباحث، لتبقي هذه البادرة الأمل في أننا كعرب لم نفقد بعد كل شيء. وأن في الدول العربية أيضاً من الممكن أن يستقيل وزير داخلية بإرادته دون أن يُقال. وفي المجمل فإن مخاوفنا كبيرة في عام 2011 الذي بدأ بزخم خطير وغير مسبوق تمثل في تراجع أوضاعنا في أكثر من دولة. وفي أسبوع آلام الحالة العربية الصعبة زدنا بؤساً وأسىً وأملاً بعدما توزعت الآلام والآمال والأحزان في الزوايا العربية الأربع. والخوف اليوم من أن نزداد ضعفاً وتشرذماً وتفككاً، ولكن أمل التغيير يبقى أيضاً قائماً. إنها إذن بداية لعام جديد بتطورات وأحداث مهمة ومؤثرة بالتأكيد سيكون لها ما بعدها في حالة العرب الصعبة!