قليلون هم المسؤولون الأجانب الذين يزورون قطاع غزة، لكنهم كثيراً ما يلقون ترحيباً كبيراً من الأهالي محملينهم "أمانة" العمل على إنهاء الحصار... إلا أن وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل آليو ماري رأت غضباً في وجوه الفلسطينيين لدى زيارتها القطاع يوم الجمعة الماضي، حيث تلقاها الأهالي بمظاهرة احتجاجية وقذفوا سيارتها بالبيض والأحذية، عقب تصريحات قالت فيها إن اعتقال الجندي الإسرائيلي في القطاع يعد بمثابة جريمة حرب، وذلك خلال زيارة تضامنية قامت بها لأسرته، بينما لم تأت على ذكر 13 ألف أسير فلسطيني ولم تقم بخطوة مماثلة إزاء عائلاتهم. ورغم أن ماري نفت ذلك التصريح جملة وتفصيلاً، قائلة إنه كلام لوالد شاليط وليس لها، فإن الرشقات التي أصابت موكبها بدت كافية للتشويش على أول جولة تقوم بها الوزيرة في المنطقة منذ تولّت منصبها في نوفمبر الماضي. وتأتي "واقعة غزة" عقب تصريحات أخرى لماري مازالت تثير الكثير من الجدل في فرنسا، حيث عرضت في يوم 11 يناير الجاري وضع "المهارة" الفرنسية تحت تصرف تونس للمساعدة على حفظ النظام والتعامل مع التظاهرات التي كانت قد أوقعت عشرات القتلى والجرحى في ذلك الوقت. فمن هي ميشيل آليوت ماري؟ وما مدى أهليتها لقيادة الدبلوماسية الفرنسية؟ تعد ميشل اليوت ماري من أهم شخصيات اليمين الفرنسي، وأحد أعمدة حزب "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية" الحاكم، وقد تولت قيادته لبعض الوقت، وفكرت في ترشيح نفسها لانتخابات الرئاسة عام 2007 قبل أن تجبرها نتائج استطلاعات الرأي على التراجع عن خوض السباق الداخلي ضد ساركوزي الذي يقال إنه أقنعها بالتنازل مقابل التعهد لها بوزارة أساسية. وقد تقلدت تباعاً منذ عام 2002 وزارات الدفاع والداخلية والعدل وأخيراً الخارجية، لتكون أول سياسي في الجمهورية الخامسة يتقلب بين أربع وزارات سيادية على التوالي ودون انقطاع، بل كانت مرشحة متوقعة لتولي منصب الوزير الأول خلفاً لرئيس الحكومة الحالي فرانسوا فيون. ومن دلائل قوة ماري، الشقراء الكتومة والحذرة، رفضها التمييز الإيجابي لصالح النساء، وتمسكها بصيغة المذكر للقبها (السيدة الوزير)، وكونها من الديجوليين القلائل في حكومة ساركوزي ممن ظلوا أوفياء لخصمه اللدود شيراك. وإلى ذلك فهي وزوجها الثاني باتريك زولييه، وزير الدولة لشؤون البرلمان، عضوان معاً في حكومة فيون، كحالة نادرة من نوعها في فرنسا، مما يعكس قوة آليو ماري وموقعها المتين داخل السلطة. وقد ولدت ماري في "فيلنوف لوروا" إلى الجنوب الغربي من باريس عام 1946، ونشأت في وسط سياسي، حيث كان والدها برلمانياً وعمدةً لبلدية "بياريتز". وهناك تلقت تعليمها في مدرسة "فولي سنت جام"، ثم التحقت بكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بجامعة باريس الثانية، وحصلت منها على شهادة الدكتوراه عام 1973. وخلال تلك الفترة تعرفت على أستاذها للقانون ميشيل آليوت الذي كان مديراً لديوان وزير التربية الوطنية فتزوجت منه عام 1971، ثم أصبحت مستشارة فنية لوزير الشؤون الاجتماعية في عام 1972 قبل أن تتنقل بين وزارات السياحة والعمل والجامعات والتجمعات المحلية. وبين عامي 1979 و1985 احترفت مهنة المحاماة، وعملت في القطاع الخاص كمديرة إدارية ثم مديرة عامة لشركة "أو آيندمنيتيه". بدأت ميشيل آليوت ماري حياتها السياسية عملياً عام 1983 عندما أصبحت مستشارة لبلدية "بيرنييه آتلانتيك" في قلب إقليم الباسك الفرنسي، حيث كان والدها نائباً برلمانياً (1967 -1981)، ثم رئيساً لبلدية "بياريتز" (1983 -1991). أما ماري فقد انتخبت على رأس بلدية "سان جان دي لوز" المجاورة في عام 1995، وأعيد انتخابها في عام 2001، ثم في عام 2008. وكانت بداية ظهورها على المستوى الوطني في عام 1986 عندما انتخبت لعضوية الجمعية الوطنية عن دائرة "بيرنييه آتلانتيك" على قوائم "التجمع من أجل الجمهورية". وهو المقعد الذي أعيد انتخابها له في أعوام 1988 و1993 و1995 و1997 و2002 و2007. أما أول منصب وزاري تولته ماري فكان في عام 1986 عندما دخلت حكومة شيراك الثانية ككاتبة دولة للتعليم، وبقيت في ذلك حتى مايو 1988. ثم شغلت حقيبة الشباب والرياضة في حكومة بالادير بين عامي 1993 و1995، قبل أن تصبح أول امرأة تتولى حقيبة الدفاع، ليس في فرنسا فقط بل في الدول الكبرى عامة، وذلك ضمن حكومة رافارين في مايو 2002، ومن بعده في حكومة دوفيلبان حتى مايو 2007. وبداية من ذلك التاريخ أصبحت وزيرة للداخلية في حكومة فرانسوا فيون الأولى، ثم تولت العدل من يونيو 2009 إلى 13 نوفمبر الماضي حين أصبحت وزيرة للشؤون الخارجية والأوروبية في حكومة فيون الثالثة، خلفاً للطبيب الاشتراكي كوشنير. وقد ورثت ماري وزارة تعيش مشكلات خاصة بسبب تدخلات ساركوزي ومعاونيه في تفاصيل السياسة الخارجية الفرنسية، وهي تدخلات عانى منها كوشنير رغم اتفاقه مع الرئيس حول التحالف مع واشنطن، والعودة إلى "الناتو"، والتقارب مع إسرائيل.. إلخ. ويمكن لـ"مام"، كما يناديها أصدقاؤها باستخدام الحروف الثلاثة الأولى من اسمها، أن تعتمد على الخبرات والتجارب والعلاقات التي راكمتها عندما كانت على رأس وزارات الداخلية والعدل الدفاع. فأثناء توليها الحقيبة الأخيرة زارت خلال خمس سنوات أكثر المناطق حساسية في العالم، وحظيت بسمعة جيدة في العديد من البلاد العربية. وإلى جانب خبرتها العملية الطويلة، فهي ضمن الوزراء الفرنسيين -الحاليين والسابقين- ممن يحملون أكبر عدد من الشهادات الجامعية في مجالات تخصصية تشمل الاقتصاد والسياسة والقانون والاجتماع والإدارة. وهي أستاذ محاضر في جامعة باريس الثانية، ولها عدة مؤلفات. ورغم ذلك فثمة ملفات كثيرة تنتظر آليوت ماري، لاسيما في الشرق الأوسط حيث منيت الدبلوماسية الفرنسية بإخفاقات عديدة، منها تأجيل القمة المتوسطية، وكذلك "قمة السلام" المصغرة التي كانت مقررة في أكتوبر الماضي في باريس... وربما كانت إحدى الترجمات لذلك "التعثر" -مع غيره من الإخفاقات الدولية والإقليمية الأخرى- ما حدث في جمعة غزة الأخيرة! محمد ولد المنى