كانت تراودني دائماً علامات استفهام حول المواقف الحقيقية لباراك من عملية السلام. انبعثت هذه العلامات فور توليه رئاسة حزب "العمل" قادماً من موقعه في المؤسسة العسكرية كرئيس أركان سابق. كان حزب "العمل" قد تعرَّض لضربة إرهابية قاسية عام 1995 عندما تمّ اغتيال زعيمه "رابين" عقاباً له على توقيع اتفاقية أوسلو والموافقة على دخول قيادة "منظمة التحرير" إلى الأرض المحتلة كسلطة فلسطينية، وأيضاً على قيامه بتسليم السلطة لما كان يسميه نتنياهو زعيم "ليكود" آنذاك "قلب إسرائيل إلى أعدائها". بعد هذه الضربة فقد حزب "العمل" مقاعد السلطة بنسبة ضئيلة للغاية من أصوات الناخبين، حيث خسر تحت قيادة "بيريز" الانتخابات أمام "ليكود" ونتنياهو عام 1996. ومع مجيء انتخابات عام 1999 كانت معظم الجماهير الإسرائيلية في شوق عظيم إلى استئناف عملية التسوية السلمية مع الفلسطينية فأسقطت نتنياهو وأتت بحزب "العمل" إلى السلطة تحت قيادة باراك. بدأ باراك عهده بعد إعلان نتائج الانتخابات فجر الثامن عشر من مايو 1999 حيث خطب في جماهير الحزب بالتأكيد على خمس لاءات يؤمن بها وهي لا عودة لحدود 1967 ولا تقسيم للقدس عاصمة إسرائيل الأبدية ولا تفكيك لكتل المستوطنات ولا لجيش فلسطين ولا عودة للاجئين. بعد ذلك بأسبوع ترددت أنباء قوية بأن "باراك" حريص على إدخال "ليكود" بزعامة نتنياهو إلى حكومته. هُنا تبلورت علامة استفهام كبيرة حول دور "باراك" وموقفه الحقيقي من عملية السلام. صحيح أن ضغوطاً شديدة من داخل حزب "العمل" قد أحبطت ضم "ليكود" إلى الحكومة، ولكن ظلّت علامة الاستفهام قائمة. جاءت علامة الاستفهام الثانية مع الفشل الذريع الذي انتهت إليه محاولة كلينتون التوصل إلى سلام نهائي بين باراك وعرفات في كامب ديفيد في صيف عام 2000 بسبب تعنت باراك ثم جاءت علامة الاستفهام الكبرى الثالثة عندما سمح باراك لشارون الذي كان قد تولى رئاسة "ليكود" باقتحام المسجد الأقصى في 28 سبتمبر عام 2000 في حماية كتيبة من الجنود لاستفزاز الفلسطينيين الذين انفجروا في الانتفاضة. أعتقد أن علامات الاستفهام اليوم تجد إجابتها فيما فعله "باراك" في حزب "العمل". لقد شعر أن الحزب غير راض عن وجوده في حكومة نتنياهو التي جمدت عملية السلام فاستبق تحركات زملائه في حزب "العمل" لاختيار زعيم جديد بعقد صفقة مع نتنياهو مؤداها تمزيق حزب "العمل" وحرمانه من الإعلان بكامل قوته البرلمانية عن الانسحاب من حكومة "اليمين". فقام بما هو معروف من إعلان انشقاقه عن الحزب مع أربعة وزراء آخرين من الحزب وتكوين حزب جديد أسماه "حزب الاستقلال"، ثم أعلن انضمامه بالحزب الجديد إلى حكومة نتنياهو ليترك بقايا حزب "العمل" في ورطة، لقد اعتبر معظم المحللين الإسرائيليين باراك سياسياً انتهازياً بهذه الحركة التي هدفت إلى بقائه وزيراً للدفاع، ولكنني أعتقد أن الوصف الحقيقي لـ"باراك" أنه رجل يعادي السلام، ويرفض في أعماقه إقامة الدولة الفلسطينية. وكل ما فعله في عالم السياسة هو ادعاء بأنه رجل يؤمن بالسلام في الظاهر، مع تدمير كل فرص السلام في الواقع، ثم تدمير الحزب الذي قاد فكرة التسوية منذ البداية. في تقديري أن باراك يمثل الجناح العسكري في معسكر التطرف الذي قاده نتنياهو للانقلاب على سياسة رابين في التسوية. لن أنفي تطلعاته الشخصية في الاحتفاظ بمنصب وزير الدفاع، ولكن لن تخفي هذه التطلعات حقيقة تآمره ضد السلام منذ التسعينيات وحتى دعمه لحكومة "اليمين" اليوم.