لقد حان الوقت لوقفة أمينة مع الصين. هذا ما يتعين على أوباما فعله عندما يقابل نظيره الصيني "هو جنتاو" الذي يزور الولايات المتحدة حالياً. فعلى مدى الثلاثين عاماً الماضية، وبدلاً من العمل على احتواء الصين، قامت الولايات المتحدة والدول الغربية بدعم نمو الصين الاقتصادي والعسكري، الذي منحها قدراً كبيراً من النفوذ الدبلوماسي على المسرح الدولي. غير أن بكين لم تقم برد الجميل من خلال الالتزام بالأعراف والمعايير الدولية والتصرف كشريك محترم. ورغم ذلك مازلنا نواصل منح الصين ميزة الشك (القائمة على مبدأ أن الشخص يعتبر بريئاً إلى أن تثبت أدانته)، حتى وهي تقدم حججاً وأعذاراً متكررة، منها مثلاً أنها تحتاج لمزيد من الوقت حتى يتسنى لها الالتزام بتلك الأعراف والمعايير، وأن عدد سكانها كبير، وأنها تنتمي للثقافة الكونفوشيوسية المغايرة للثقافة الغربية، وأنها عانت من الإذلال على أيدي الغرب المستعمر، وأن الشعب الصيني يهتم بالتقدم الاقتصادي أكثر من اهتمامه بالحريات العامة. والعديد من الخبراء الأميركيين، داخل الحكومة وخارجها، يصدقون هذا الكم الكبير من الأعذار والحجج التي تقدمها الصين، والتي توفر لها سياجاً متيناً يمكنها من مواصلة السير في الطريق الذي رسمته لنفسها دون تردد، ويمكّنها من استغلال النظام الدولي عندما يكون ذلك لمصلحتها، وتجاهل هذا النظام بل وتقويضه إذا ما كان يتعارض مع مصلحتها. والصين تتلاعب بالنظام الاقتصادي العالمي من خلال استغلال العمال، وتدمير البيئة، واستغلال العملات، واتباع ممارسات تجارية نفعية، واللجوء لسرقة التقنية والملكية الفكرية، وتخريب الفضاء الإلكتروني. بل تعمل الصين على دعم أنظمة ديكتاتورية في كوريا الشمالية وبورما، وتستغل عضويتها في مجلس الأمن الدولي لإضفاء الحماية على دول مثل إيران وزيمبابوي والسودان، وتعمل على تكديس أسلحة الدمار الشامل، وتطوير تقنية الصواريخ المتقدمة عبر شبكة من القوى العالمية المناوئة للغرب. والصين تهدد تايوان الديمقراطية بالحرب، إذا لم تمتثل طواعية للحكم الشيوعي، كما تقدم، وعلى نحو مستفز، ادعاءات واهية عن حقوق لها في بحر الصين الجنوبي، والمياه الدولية. كما قامت الصين بخلق نظام تنمية بديل، لتقويض البنك الدولي وغيره من المؤسسات المالية العالمية عبر تقديم قروض ميسرة للعديد من الدول الإفريقية ودول العالم النامي، وهي قروض لا تخضع لقواعد المساءلة ولا متطلبات الشفافية ولا تقيدها حقوق عمالية، ولا قواعد بيئية. فهل تغيرت الصين حقاً على مدى الـ60 عاماً الماضية؟ في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تخلى الزعيم الصيني "دينج هيساو بنج"، عن نمط الاقتصاد الماركسي الماوي الذي كان مطبقاً في الصين، ما أدى إلى تحسين مستوى المعيشة لملايين الصينيين. لكن ما حدث بعد ذلك هو أن الطلاب والعمال الصينيين أخذوا وعود تطبيق الديمقراطية التي قدمها "بنج" على محمل الجد، فتظاهروا واحتجوا مطالبين بها في ميدان "تيان آن مين" لتأتي دبابات جيش التحرير الشعبي الصيني وتضع حداً لاعتصامهم في مذبحة عرفت باسم ذلك الميدان عام 1989. وعلى مدار الستين عاماً الماضية، استخدمت الصين تكنيكاً يقوم على اختلاق مخاطر خارجية تهدد أمنها القومي، لتقوم ببناء قوة عسكرية ضخمة. وحالياً يأتي امتلاك الصين لكميات ضخمة من سندات الخزينة الأميركية، ليحول بين الولايات المتحدة وغيرها من القوى الغربية، وبين اتباع سياسات واضحة وحاسمة حيال الصين، وهو الأمر الذي يجب ألا يستمر بأي حال. وهذا ما يرتب سؤالا آخر: لماذا يجب على الولايات المتحدة والصين العمل سوياً على تغيير أساليب تعاملاتهما البينية؟ بالطبع لن يستطيع أوباما أن يقلب هذا كله رأساً على عقب في اجتماع واحد مع الرئيس الصيني. لكن ما يستطيع عمله بالتأكيد، هو وضع إطار جديد لتنظيم العلاقات الأميركية الصينية. فقد اعتادت الصين أن تتحدث عن "الخطوط الحمراء" وعن "المصالح الجوهرية"، وأرى أن الوقت حان كي يقوم الرئيس الأميركي هو الآخر برسم بعض الخطوط، من أجل مصلحة الولايات المتحدة. وعلى أوباما أن يدعو خلال لقائه جنتاو، لصين ديمقراطية تكون بمثابة صديق حقيقي وشريك استراتيجي موثوق به للولايات المتحدة، وتتيح الفرصة للشعب الصيني كي يبرز إمكانياته الحقيقية ويثبت عظمته. ولتجنب أي احتمال لإساءة التقدير من جانب الصين، على الولايات المتحدة أن تؤكد أنها ستدافع في جميع الأحوال عن تايوان الديمقراطية، ضد أي عدوان من جانب الصين. وبعد إبراز هذا الخط، والتأكيد عليه، عليها أيضاً أن تزود تايبيه بما تحتاجه من الأسلحة المتطورة للدفاع عن نفسها ضد أي تهديد عسكري صيني. أما بالنسبة لكوريا الشمالية، فعلى الرئيس الأميركي أن يؤكد لنظيره الصيني أن الولايات المتحدة لم تعد تقبل الحجة التي تقدمها بكين وهي أنها غير قادرة على استخدام نفوذها لكبح جماح هذه الدولة التي تعتبر من حلفائها الوثيقين، وأنها (الولايات المتحدة) لا تصدق المزاعم الأخرى ومنها أن سقوط نظام بيونج يانج سوف يؤدي إلى حدوث انهيار في ذلك البلد، وتدفق ملايين من سكانه على الحدود الصينية. فهذا السيناريو قد يكون أكثر أرجحية إذا ما واصلت بيونج يانج صراعها العسكري مع الجنوب الحليف للولايات المتحدة. ومن المعروف في هذا السياق أن توحيد الكوريتين هو أكثر ما يقض مضاجع الصينيين الذين شجعوا حليفهم الكوري الشمالي على اتباع نهج الابتزاز النووي، للحيلولة دون وحدة كوريا. ورغم ذلك، فإن الرئيس الصيني عندما يصل إلى البيت الأبيض، سوف يتلقى استقبالاً رسمياً تطلق فيه المدفعية 21 طلقة تحية له كما تقام على شرفه مأدبة غذاء باذخة. ومن المؤكد أن الرئيس جنتاو يتوقع -قبل وصوله- أن يجد أمامه في واشنطن رئيساً أميركياً تم إضعافه سياسياً، ومن ثم مستعداً للقبول بسلوك الصين الداخلي والدولي الضار. إلا أن تلك التوقعات التي يعرفها أوباما بالتأكيد يجب ألا تمنعه من أن يقول للرئيس الصيني كل ما يتوجب عليه قوله. جوزيف إيه. بوسكو خبير في العلاقات الصينية- الأميركية ومحاضر في جامعة جورج تاون ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"