أعادت زيارة الرئيس الصيني هو جنتاو، إلى الولايات المتحدة فتح نقاش بات مألوفاً في الأوساط الأميركية وغيرها عن "أفول" أميركا، بحيث نقرأ أن لحظة أميركا كقوة وحيدة في العالم انتهت، وبأن القرن الحادي والعشرين سيكون عصيباً على أميركا مقارنة بالقرن العشرين، لكني لست متأكداً ماذا يعني كل ذلك، ولعل ما يبعث على الالتباس والغموض في كل هذا الحديث عن تراجع أميركا على الساحة الدولية هو التضخيم ذاته الذي صاحب القوة الأميركية. فرغم أن الولايات المتحدة ومنذ تسعينيات القرن الماضي تربعت لوحدها على عرش العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، فإن ذلك لم يؤد إلى ما كان ينتظره البعض. وخلال هذه الفترة التي تسيدت فيها أميركا، كما يقول البعض، اندلعت حرب في أوروبا وارتكبت مجازر وجرائم إبادة جماعية في أفريقيا، هذا فضلاً عن تعرض أميركا نفسها لاعتداء من قبل الإرهاب العالمي. وعندما ذهبنا للعراق خضنا حرباً صعبة انتهت بهدنة غير ناجزة تستدعي منا حضوراً أمنياً مستمراً لضمان عدم تدهور الوضع، هذا فضلًا عن الحرب الطويلة في أفغانستان وتكلفتها الباهظة على الخزينة الأميركية في وقت يتصاعد فيه العجز المالي وتتآكل فيه القاعدة الصناعية بالولايات المتحدة بعدما نُقل جزء كبير منها إلى المكسيك وفيتنام وبالطبع الصين لتفقد أميركا الآلاف من الوظائف المهمة. وعندما بدا أن العالم يتجه إلى نوع من التعددية القطبية استبشر البعض أن أميركا لن يكون عليها القيام بكل شيء لوحدها ولن تتحمل جميع الأعباء منفردة. وحتى في الوقت الذي كان يقال إن أميركا هي المهيمنة على العالم سواء في عهد "الديمقراطيين" أو "الجمهوريين" انتعشت المشاعر المناهضة لأميركا ورفضت الأمم المتحدة الترخيص باستخدام القوة لوقف التطهير العرقي الجاري في منطقة البلقان الأوروبية. ومع أننا لم نكترث كثيراً لرفض الأمم المتحدة بالتدخل في أوروبا إلا أنه استطعنا تشكيل تحالف واسع لوضع حد لسفك الدماء وانضمت الدول الأعضاء في "الناتو" لتشارك في التدخل العسكري الأميركي. وفيما حصلت واشنطن على تحالفها الكبير في حرب الخليج الأولى، والذي وصفه جون كيري "التحالف العظيم" لم يتمكن بوش في حربه الثانية على العراق أن يجمع نفس التحالف وشكل في المقابل تحالفاً سماه "تحالف الراغبين"، دون أن يعني ذلك أن أميركا ذهبت للحرب منفردة؛ ومن الكليشيهات الأخرى التي يتم ترديدها دون تمعن هي مقولة الشمس الغاربة عن أميركا تماماً مثل الإمبراطورية البريطانية، لكن ماذا يعني ذلك بالضبط؟ فالصين مازالت بعيدة كل البعد عن القوة الأميركية وهي ليست بذات النفوذ ولا الغنى الذي يؤهلها للعب الدور الريادي للولايات المتحدة على الساحة الدولية، هذا فضلاً عن أن أميركا لم تتدهور بعد لتصل إلى مستوى الضعف والفقر الذي بلغته بريطانيا أواسط القرن العشرين، وحتى لو كانت الصين مصرة فعلًا على مزاحمة أميركا وفرض نفسها كقوة معتبرة في العالم، فهي تفتقد لوسائل القيادة الضرورية، وهو ما دفع "جونثان إيال"، الصحفي في "سترايت تايمز" السنغافورية إلى التساؤل "ما هي آخر مرة تقدمت فيها الصين بمقترحها الخاص لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي؟ وما هي مساهمة الهند مثلاً في حل مشكلة السودان؟ أم خطة روسيا في التعامل مع كوريا الشمالية؟" وبعبارة أخرى مازالت القيادة الأميركية مطلوبة في العالم، لا سيما بالنظر إلى مشاكل الصين نفسها، إذ مازال 700 مليون من سكانها يعانون الفقر المدقع، وبحلول 2050 سيكون لديها 400 مليون مواطن متقدم في السن، وهو ما عبر عنه الكاتب "مارك ستين" قائلًا "إن الصين ستبلغ الشيخوخة قبل بلوغها الغنى"، هذا ناهيك عن المشاكل الأخرى مثل خطر الفساد وتوجس نخبتها السياسية من الديمقراطية، وحتى في ظل استنساخها لطائرة شبح لا يمكن مقارنة التهديد العسكري الصيني بما كان يمثله الاتحاد السوفييتي من خطر حقيقي، لتبقى تحدياً اقتصادياً أكثر منه شيئاً آخر، لكن أليس حرب العملات أفضل على كل حال من حرب نووية؟ والأهم من ذلك أن صعود الصين على الساحة الدولية لا يعكس فشل السياسة الخارجية الأميركية بقدر ما يعكس بعض نجاحها، فقد كانت أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية الأميركية دمج الصين في النظام السياسي والاقتصادي العالمي، ومع أن الصين لا تزال تعاني من بعض المشكلات، فإنها الآن أفضل مما سبق، خاصة من تلك الفترة من تاريخها عندما سقط ملايين بسبب الثورة الثقافية، لذا وخلافاً للاستسهال الذي يركن له البعض في تفسير قيادة الولايات المتحدة في القرن العشرين والانتصار على الشيوعية، فإن تلك المرحلة شهدت عملاً مضنياً بذلته الولايات المتحدة وتخللته نجاحات مفاجئة وإخفاقات غير متوقعة، فالأمور اليوم كما كانت في السابق معقدة وغير مستقرة. جونا جولدنبرج كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"