رغم ما تنطوي عليه المقترحات المطروحة حالياً على جامعة كاليفورنيا التابعة للولاية من نوايا حسنة، مثل الدعوة إلى الحد من الرسوم الدراسية وتجميد رواتب أعضاء هيئة التدريس والطاقم الإداري العامل بالجامعة، فضلاً عن تشديد الرقابة التشريعية على المؤسسة التعليمية... يبقى أن هذه المقترحات تمثل الوصفة الأمثل للقضاء على إحدى أهم الجامعات العامة في البلاد وتخريب نظامها الذي ساد لفترة طويلة. فأي جامعة تتبع للنظام التعليمي العالي العام ليس أمامها سوى ثلاثة خيارات للاستمرار في تقديم خدماتها للجمهور: فهي إما أن تتلقى الدعم من الولاية، أو ترفع الرسوم الدراسية على الطلبة لتعويض المداخيل المتناقصة، أو أن ترضى بأن تتحول إلى جامعة متواضعة جداً ذات مستوى تعليمي لا يرقى إلى المطلوب، فبدون دخل ثابت يلبي حاجيات الجامعة، أياً كان نوعها، ستنزلق كلياتها والتخصصات العلمية والأكاديمية التي توفرها للطلبة نحو مزيد من التردي، ما يعني فصولاً أقل بأعداد طلبة أكثر، كما ستتراجع مستويات التدريس والبحث العلمي، هذا فضلاً عن انكماش عام في مستوى الجامعة مقارنة بباقي الجامعات في البلاد وخسارتها لمكانتها المتميزة التي حازتها على مدى سنوات طويلة. وتاريخياً كانت ولاية كاليفورنيا إحدى أفضل الولايات الأميركية من حيث نظامها التعليمي، لاسيما التعليم العالي الذي توفره الجامعات بفضل نظامها القائم على تمويل تلك المؤسسات التعليمية من أموال دافعي الضرائب في الولاية مع حرص شديد على إبقاء الرسوم الدراسية منخفضة حتى يتمكن الطلبة من إكمال دراستهم دون إثقال كاهلهم وكاهل أسرهم بالديون. لكن على مدى السنوات الماضية لم تستطع سلطات الولاية إبقاء تدفق الدعم مستمراً ليواكب حاجيات جامعة كاليفورنيا. فرأى المسؤولون عن الجامعة أنه لا خيار أمامهم لتعويض النقص في الموارد إلا برفع الرسوم الدراسية على الطلبة لتصبح قريبة في الكليات والتخصصات المهنية من تلك المطروحة في الجامعات الخاصة، فعلى سبيل المثال ستفرض كلية القانون في جامعة كاليفورنيا على الطلبة في العام الجديد رسوماً دراسية تصل 40 ألف دولار بالنسبة للطلبة المنحدرين من الولاية و50 ألف دولار للطلبة القادمين من خارجها، وهي الرسوم التي يمكن مقارنتها بما هو جارٍ العمل به في الجامعات الخاصة التي تعتمد كلياً على التمويل الذاتي وتبرعات بعض الجهات الخاصة، وبهذا المعنى تصبح كلية القانون في الجامعة مستقلة مالياً من خلال خصخصة نفسها وعدم الاعتماد على تمويل الولاية. لكن المشكلة بالنسبة لرفع الرسوم الدراسية على الطلبة لتغطية الحاجة إلى الموارد، هي ما تثيره من إشكالات أهمها تحديد الفرق بين الجامعة الممولة من قبل الولاية والجامعات الخاصة في ظل الرسوم المتقاربة، هذا بالإضافة إلى إثقال الطلبة بالديون حتى مع وجود مساعدات مادية تقدم للعائلات. وعلى مستوى الدراسات الجامعية العادية تبقى جامعة كاليفورنيا أفضل من غيرها فيما يتعلق بالرسوم، فعلى سبيل المثال تكلف الجامعة ساكني الولاية 10300 دولار سنوياً للانضمام إلى أحد البرامج الأكاديمية غير المهنية، وهو التكلفة التي تصل في بعض الجامعات الخاصة، مثل جامعة ستانفورد، إلى 38700 دولار في السنة، وفي جامعة "كليرماونت" إلى 40200 دولار، بل الأكثر من ذلك، ولمساعدة الطلبة على مواجهة كلفة الدراسة، قررت جامعة كاليفورنيا رفع الدعم المالي المقدم للعائلات بعدما تصاعدت الرسوم الدراسية، بحيث قررت في خطتها للعام المنصرم أن تتكفل بتغطية الرسوم الدراسية كاملة للطلبة الذين يقل دخل أسرهم عن 70 ألف دولار سنوياً. وفي العام الجاري قررت الجامعة رفع سقف الأسر المستفيدة لمن يقل دخلهم عن 80 ألف دولار في السنة لتشمل التغطية ثلثا الرسوم الدراسية في الجامعة. لكن رغم هذا الدعم المالي السخي، سيشكل رفع الرسوم الدراسية عائقاً أساسياً أمام العديد من الطلبة للالتحاق بالجامعة، وإن فعلوا فسيكون ذلك على حساب الديون الثقيلة التي ستلاحقهم على مدى سنوات مقبلة. ورغم الحاجة الملحة لمعالجة هذه الإشكالات، يبدو أن بعض الأفكار المقترحة كارثية بالفعل، فعلى سبيل المثال يطرح أحد المقترحات فكرة تجميد رواتب هيئة أعضاء التدريس والإداريين، وهو ما قد ينتج عنه مغادرة خيرة الأساتذة الجامعيين إلى أماكن أخرى. وقد تفاوضتُ في الأسابيع الماضية مع أساتذة حاولت الجامعة استقدامهم من مؤسسات أخرى مثل هارفارد وغيرها، فوجدت صعوبة في إقناعهم بالمجيء بسبب تدني الرواتب مقارنة بالأماكن التي يعملون فيها حالياً. ولو استمر المقترح الحالي فإن ذلك يعني فرار الأساتذة من الجامعة وتدني المستوى التدريسي بل تراجع قيمة البحث العلمي الذي لن يجد من يؤطره ويشرف عليه، كما سيكون من الصعب تعويضهم بأساتذة على درجة من الكفاءة والمقدرة التي تكفل مواصلة الجامعة لمستواها المعروف وطنياً. ويضاف إلى ذلك أن مصروفات الجامعة محسوبة ولا يمكن القول إن هناك تبذيراً في تسيير شؤونها ليبقى الحل الأمثل أمام الجامعة هو استمرار الولاية في تمويلها حتى في ظل تجميد الرسوم الدراسية بعد الاحتجاجات التي بادر إليها الطلبة وبعض المشرعين في الولاية. فما لم تحافظ الجامعة على مستوى رواتب معقول للأساتذة، وما لم يصاحب ذلك رفع مخصصات الولاية لتمويلها، فإن جامعة كاليفورنيا ستتردى في المستوى العام، وهو ما قد يدمر إحدى أكبر الجامعات في هذا البلد. إيروين تشيرمنسكي عميد كلية القانون بجامعة كاليفورنيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"