جورج ويل محرر "واشنطن بوست" له مقولة شهيرة وهي أن "الإنسان متساهل مع نفسه؛ إذا ترك لإرادته سيسيء استعمال حريته ويصبح متهتكاً وخليعاً وينبغي على الدولة أن تضبطه". المقولة لها معان اجتماعية ومقاصد سياسية كبيرة وهي تجسد بعض المنحنيات الخطيرة التي تمر بها دولنا العربية. تفاجأنا بأحداث تونس ولا نعرف هل نصنفها ضمن المفاجآت أم المتوقعات. وفي لبنان ينفجر الوضع وما كان مفاجئاً حيث الأزمة كامنة مثلها مثل الخلايا النائمة، وفي الكويت يستمر مسلسل الأزمات، وفي مصر تطل علينا هموم مسيحية مسلمة لا نعرف هل هي عابرة أم تعبر عن تفجر اجتماعي تتشابك خيوطه بين الخارج والداخل. والسودان على أبواب التقسيم، والصومال تحول إلى بؤرة ومأوى للخلايا الطائشة، واليمن يصارع وينازع ولا نعرف إلى أين يتجه... وربما يمكن القول إن التفجر كامن في كثير من البنيات، لكن لا نعلم هل نحن نمر بتحولات الانتقال إلى ما هو جديد أم أن ما يحدث هو تراكم لسياسات صنعناها ونسينا كيف نعيد بناءها حيث لم نعد نحن من يتحكم بالخيوط. كيف تقف الدولة العربية أمام هذه التحديات؟ يؤكد علماء السياسة والاجتماع بأن الدولة وجوهر اهتمامها ليس فقط تعزيز المواطنة، ولكن أيضاً بناء الإنسان الجيد، ولا يعني ذلك توفير المهارات للمشاركة في صنع القرار وإنما تنمية الخصال الاجتماعية الحميدة التي تعزز العلاقات الاجتماعية التي تحد من حدة التوتر بين شرائح المجتمع. بمعنى أن دور الدولة يتجلى في ضبط السلوك والحد من الانفلات، وهذا ما يفسر لنا حالة التأزم المستمرة في دور الدولة العربية في ضبط التوتر؛ كونها عاجزة عن فهم طبيعة وظيفتها، وهنا نشهد حدة الصراع الاجتماعي الذي يتجلى بمشاهد العنف التي نلحظها في كثير من المجتمعات العربية. فالدولة مازالت تعتقد بقدرتها المطلقة في السيطرة على كل محاور الصراع ومصادر التوتر الاجتماعي، وهي مازالت تعتقد أنها تمسك بكل الركائز الاجتماعية، غافلة عن طبيعة التغير في هذه الركائز التي لم تعد تُحكم بعواملها التقليدية. وعلى سبيل المثال الحالة التونسية تمثل تناقض الحداثة والتقليدية في دور الدولة التي تطرح نفسها ممثلة للحداثة مع رفض واضح لاستحقاقاتها في آن معاً. وهذه الحالة لا تقتصر على المشهد التونسي فهي علة عربية عامة. ورغم التغير الذي حدث في نظم الحكم العربية الجمهورية، فإن هذه النظم اليوم تبدو غارقة في تناقضات كثيرة؛ فقد فشلت في فهم طبيعة التغير الاجتماعي، وهي تضطر لتوظيف الأطر التقليدية في بسط سيادتها. ولعلنا نسترجع خطورة التغيب عن فهم التغير للركائز التقليدية حيث هي تتغير من الداخل ولم تعد السيطرة عليها كما كانت في السابق. وهنا نجد في حركة "جهيمان العتيبي" في سبعينيات القرن الماضي، مثالاً نستنبط منه الكثير في فهم تحولات المعارضة، سواء الدينية المتمثلة في التطرف والعنف المسلح أو السلمية في الحالة الكويتية حيث أصبحت القبيلة تحرك المعارضة ولم تعد المدينة هي القائد كما كانت في الحالة الكويتية نفسها سابقاً. ولعلنا نجد أنه لا مفر لنا من تعميق مفهوم المواطنة المرتبطة بالدولة الحديثة لتجنب مآزق قادمة.