لقد كانت زيارة وزير الدفاع الأميركي الرسمية إلى الصين -وربما تكون زيارته الأخيرة لبكين قبل مغادرته لمنصبه- محبطة، حيث اتسمت بتكرار الصين تحذيراتها من مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان، وهو مطلب لم توافق عليه واشنطن أبداً. كما استقبل الصينيون وزير الدفاع الأميركي باستعراضهم لطائرة J-20 الجديدة المقاتلة التي يعتقد أنها طائرة شبح وأن لها عدة مزايا أخرى متقدمة تؤهلها لأن تكون نداً لطائرة F-22 الأميركية المقاتلة، باستثناء أن المقاتلة الصينية لا تزال تحت الاختبار والتطوير، وأنها لن تستطيع أداء مهامها الحربية التي صممت من أجلها إلا بعد بضع سنوات. ومهما يكن، فقد وفرت هذه المقاتلة الصينية فرصة لتأمل مضمون الزيارة التي قام بها "جيتس" إلى بكين، فضلاً عن التغطية الواسعة التي حظيت بها المقاتلة الصينية في وسائل الإعلام الجوي المتخصص. وفي الجانب الآخر من الأطلسي بدأ الأوروبيون يعيدون النظر في امتناعهم عن بيع الأسلحة للصين، مع العلم بأن هذا الحظر كان قد فرض على الصين في عام 1989 الذي قمعت فيه السلطات الصينية الاحتجاجات السياسية التي نظمها ضدها الطلاب في ميدان تيانامن. وفي هذا الصدد، أصدرت كاثرين آشتون -المفوض السامي لسياسات الأمن والشؤون الخارجية الأوروبية- ورقة سياسات في شهر ديسمبر المنصرم، وصفت فيه ذلك الحظر بأنه يمثل عقبة رئيسية أمام تعزيز التعاون الأوروبي-الصيني في مجالي الأمن والسياسات الخارجية. واقترحت "آشتون" مناقشة للورقة التي أعدتها، تسمح بإحراز تقدم في إزالة هذه العقبة، وهو اقتراح لن يكون مفرحاً لأولئك الأميركيين الذين تنبأوا بصراع أميركي- صيني حول الهيمنة على شرق آسيا. والحقيقة أن الكثير من الأميركيين يعتقدون هذا. وحتى أكثر الخبراء السياسيين واقعية -من معارضي التدخل العسكري في كل من العراق وأفغانستان- يؤمنون بأن على أميركا أن تواصل هيمنتها المستديمة على مراكز القوة الرئيسية العالمية. والمقصود بهذه المراكز: شرق آسيا -أي الصين- والشرق الأوسط وصولاً إلى جنوبي آسيا ووسطها، ثم أوروبا الغربية. وهذا يعني أن مبيعات الأسلحة الأوروبية للصين سوف تمثل تحدياً كبيراً لنزعات الهيمنة الأميركية في اثنين من ثلاثة من هذه المراكز التي تحرص أميركا على فرض هيمنتها عليها. أما المركز الثالث -الشرق الأوسط وجنوب ووسط آسيا- فيكمن الحرص الأميركي على السيطرة عليه بسبب غنى موارده الطبيعية. بيد أن العشر سنوات الأخيرة من الجهود العدوانية المستمرة التي بذلتها أميركا من أجل فرض هيمنتها عليه، فقد ترتبت عليها عواقب جد خطيرة، لا سيما في العراق -الذي تحول إلى دولة تدور في فلك إيران- وأفغانستان، مع ملاحظة أن هذه الجهود تتجه لأن تكون لها عواقب كارثية في باكستان أيضاً. وبسبب هذه العواقب، يعتقد أو يأمل سوق الطاقة الآن في أن تتمكن منتجات النفط المستخرجة من الصخور الرملية الأميركية من أن تحل محل النفط المستورد من منطقة الشرق الأوسط. كل ذلك يضع أميركا في خانة الدفاع عن النفس بدلاً من الهجوم. هذا ولم تؤكد بيانات استراتيجية الدفاع القومي، التي واصلت صدورها غير المنتظم طوال العقدين الماضيين، على جانب الدفاع القومي بحد ذاته، لكنها أكدت وجود عقبات ومهددات سياسية أو عسكرية أو تكنولوجية حقيقية أو محتملة لقدرة القوات الأميركية على الوصول إلى ما تريد، ومهاجمة أي من تريد مهاجمته. وعليه فإن أهم ما يثير قلق بيانات الاستراتيجية الأميركية هذه، احتمال عجز القوات الأميركية عن الوصول إلى منطقة طلب منها الوصول إليها أو مهاجمتها عسكرياً بهدف القضاء على مهدد محتمل للهيمنة الأميركية الدولية. وقد بدا هذا القلق واضحاً جداً في التعبير الغريب عن هواجس أميركا إزاء التطورات العسكرية الصينية، الذي أوصله "جيتس" أثناء زيارته لبكين بقوله: من الواضح أنهم يمثلون خطراً محتملاً على بعض قدراتنا، وإن علينا أن ننتبه إليهم". وشرح "جيتس" تحذيراته هذه بقوله: (ويعني هذا أن في استطاعة الصواريخ الصينية، وكذلك غواصاتها أو قواتها الحربية السطحية الدفاع عن مصالح بكين المزعومة في تايوان والبحر الأصفر وبحر جنوب الصين، وهي جميعها مناطق تعتبرها واشنطن مياهاً دولية). وفي فترة ما، جرى حوار طائش في واشنطن عن صراع مستقبلي محتمل مع الصين. ولكن يجب أن يؤخذ مثل هذا الحوار على محمل الجد، فيما لو كانت واشنطن تصر -كما هو مقترح في ذلك الحوار- على فرض هيمنتها العسكرية على شرق وجنوب شرق آسيا. والحقيقة أن النظام العسكري الحالي، موروث من الحرب العالمية الثانية، والحرب الكورية. وقد أنهت واشنطن كلتا الحربين بإنشاء شبكة من القواعد العسكرية لها. وبسبب الإصلاح الدستوري الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية في اليابان، بما فيه التزامها بسياسة السلبية الحربية، فقد تعهدت واشنطن بتوفير حماية دفاعية دائمة لأمن اليابان. في نهاية الأمر، فإن هناك خيارين يمكن أن تختار بينهما سياسات واشنطن الدفاعية. يقوم أولهما على مبادرة مبكرة لإجراء حوار ثنائي حزبي بشأن إنشاء نظام أمني دفاعي مشترك بين كل من أميركا والصين واليابان وتايوان وكوريا الجنوبية. وينسجم هذا الخيار مع مصلحة جميع الأطراف المشاركة في هذا النظام الدفاعي، إضافة إلى المصالح الروسية. أما الخيار الثاني، فيتلخص في الانزلاق والاستمرار في سباق التسلح الحالي، وفي النزاعات والمنافسات المتعلقة بالأراضي والمياه الإقليمية. وفي هذا ما يثير مخاوف الصين ويهدد أمنها الوطني، كما أن فيه ما يدفع واشنطن نحو المزيد من الطيش والتهور. ولا شك أن الأفضلية والعقلانية من نصيب الخيار الأول. وليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيس"