لاشك أن عملية إطلاق النار التي حدثت في منطقة توسون بولاية أريزونا، وأسفرت عن مقتل ستة أبرياء وجرح ثلاثة عشر آخرين من بينهم عضوة الكونجرس جابرييل جيفوردز، صدمت البلاد، وهددت للحظة بمفاقمة انقسام سياسي عميق أصلاً. ولأن الصدمة تترك دائماً آثارها وتثير أحياناً ردود فعل يمكن أن تكون معبرة جداً، فإن الرد الأولي للعديد من الأميركيين في هذه الحالة كان الصمت والحزن على فقدان الأرواح، والشعور بالصدمة من فجائية وعشوائية وغاية ذلك الفعل الشائن. غير أن الصمت سرعان ما انكسر بفعل الخلاف الحزبي حيث اتهم معلقون ليبراليون بعض الشخصيات على يمين الطيف السياسي الأميركي بخلق جو سياسي مشحون يحرض على هذا النوع من العنف أو يشجع عليه، مشيرين إلى أمثلة حيث تمت شيطنة مسؤولين منتخَبين ليبراليين أو الإشارة إليهم كأهداف ينبغي هزيمتها في إعلانات تستعمل صوراً بلاغية عنيفة. وممن استهدفتهم هذه الانتقادات بشكل خاص المرشحة "الجمهورية" السابقة لمنصب نائب الرئيس سارة بالين التي تعشق الصور البلاغية والاستعارات اللفظية المتعلقة بالسلاح. فعلى سبيل المثال، قالت بالين لأنصارها ذات مرة: "لا تنسحبوا، وإنما أعيدوا الشحن"؛ كما أن موقعها على شبكة الإنترنت يحتوي على خريطة للمرشحين "الديمقراطيين" للكونجرس الذين استهدفت هزيمتهم (ومن بينهم عضو الكونجرس جيفوردز) باستعمال رمز الاستهداف الذي يكون على منظار البندقية لتحديد الدوائر الانتخابية المستهدَفة. وقد كان معلق تلفزيوني حادّاً في انتقاداته بشكل خاص إذ قال: "إذا لم تقم سارة بالين بالقطع مع دورها، مهما كان صغيراً، في تضخيم العنف والصور البلاغية العنيفة في الحياة السياسية الأميركية، فإنها يجب أن تطرد من المشهد السياسي". غير أن بالين وآخرين على اليمين سارعوا إلى التنديد، هم أيضاً، بمنتقديهم الليبراليين، متهمين إياهم باستغلال المأساة لأغراض سياسية، منددين بـ"التصريحات اللامسؤولة التي صدرت عن أناس يحاولون توزيع المسؤولية عن هذا الحدث الفظيع". كما طغى هذا الخلاف على صفحات الرأي في معظم الصحف الكبيرة وكان موضوع نقاشات محتدمة من قبل المعلقين التلفزيونيين. غير أن الغائب في هذا التجاذب هو حقيقة أن كلا الجانبين كانا، إلى حد ما، على حق. فمن جهة، لم تكن سارة بالين مسؤولة عن أفعال الشخص المسلح المسؤول عن إطلاق النار. صحيح أن البئر السياسية كانت قد سُممت بخطابات لاذعة بشكل متزايد؛ غير أنه لا يبدو أن ثمة أي مؤشر على أن القاتل كان ينهل من تلك البئر لأنه كان، انطلاقاً مما نعرف، مختلًا عقليّاً على ما يبدو، وليس من أنصار أي حركة سياسية. وفي الوقت الذي بتنا نقبل فيه البيئة الخشنة والغليظة باعتبارها نوعاً من "السياسة كما جرت العادة"، أصبح التجاذب الحزبي خلال الصمت الذي تلا الصدمة عقب إطلاق النار، ملحوظاً وصارخاً أكثر، مما حدا بالبعض إلى قول: "كفى!". ولعل أوباما هو أحسن من صاغ هذه المشاعر على شكل كلمات حين قال خلال الخطاب الذي ألقاه في توسون: "في وقت أضحى فيه خطابنا يثير الانقسام -وفي وقت بتنا فيه نتوق إلى تحميل مسؤولية كل ما يصيب العالم من علل على كاهل الأشخاص الذين صادف أنهم يفكرون على نحو مختلف عنا- فإن من المهم أن نقف وقفة تأمل للحظة ونحرص على أن نتحدث مع بعضنا بعضاً على نحو يشفي الجراح، وليس على نحو يزيدها غوراً واتساعاً"، مضيفا "إذا كانت هذه المأساة تبعث على التفكير وإطلاق النقاش -مثلما يفترض- فلنحرص على ألا يكون ذلك حول السياسة كما ألفناها وتسجيل النقاط والتفاهات التي تنجرف وتختفي مع موجة الأخبار التالية". ومن جانبه، رد رئيس مجلس النواب الجديد جون بوهنر على نحو ينم عن الرصانة وعمق التفكير أيضاً؛ حيث بادر بإرجاء تصويت للكونجرس على إلغاء مشروع قانون إصلاح نظام الرعاية الصحية الذي مُرر مؤخراً، ودعا الكونجرس برمته إلى أن يكون أكثر تحضراً ويتحلى بقدر أكبر من احترام الآخر في النقاش. وعقب هذين التصريحين، لوحظ أن أعضاء الكونجرس باتوا أكثر اعتدالاً خلال الآونة الأخيرة؛ ولكن السؤال بالطبع هو: "هل سيستمر هذا الأمر؟"، هل سيظل السياسيون ملتزمين بقواعد النقاش المتحضر والقائم على الاحترام، أم سيعودون بعد فترة قصيرة من الهدنة إلى السجال العقيم؟ الراهن أن استطلاع الرأي الذي أجراه مؤخرا مركز "زغبي إنترناشيونال" يُظهر أن الجمهور متشكك شيئاً ما بهذا الخصوص. فعندما سئل حول ما إن كان "يعتقد أن إطلاق النار سيؤدي إلى مزيد من الاعتدال في اللغة والصور البلاغية التي يستعملها السياسيون عند الحديث حول بعض المواضيع... والأشخاص الذين يختلفون معهم؟"، قال 4 في المئة فقط "إن الأمر يتعلق بمنعطف"، معتقدين أن "السياسيين سيرفعون مستوى الاحترام". واعتقد 34 في المئة أن الخطاب سيكون معتدلاً، "ولكن على المدى القصير فقط"، في حين قال 47 في المئة إنه "لن يكون ثمة أي تغيير". واستنادا إلى تجربة سابقة، أعتقد أن الجمهور قد يكون على حق وعلى خطأ معاً. فعندما نستحضر أحداثاً درامية سابقة أفرزت ردود فعل قوية من قبل الجمهور: عمليتا اغتيال كنيدي ومارتن لوثر كينج؛ أو الصدمة التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر؛ أو حتى الأمل الذي خلقته مراسم توقيع عرفات ورابين في حديقة البيت الأبيض- فمن الواضح أن تأمل الذات أو العزم على التغيير يتلاشى مع الوقت. ولكن الحقيقة أيضاً هي أنه على رغم مرور اللحظة، إلا أن شيئاً إيجابيّاً يبقى؛ وأعتقد أن هذا سيكون واقع الحال مرة أخرى. فحياتنا السياسية قد تتدهور مرة أخرى إلى تجاذب حزبي قبيح؛ وقد لا ينتهي بنا الأمر إلى تمرير إصلاحات ضرورية حول مراقبة الأسلحة أو التعامل على نحو أكثر فعالية مع المرض العقلي؛ ولكنني أعتقد أننا لن نرى قريباً مرشحين في مرمى السلاح أو صوراً بلاغية تتعلق بالسلاح تُستعمل في إعلانات الحملات الانتخابية. كما أعتقد أن جابرييل جيفوردز ستظل لفترة طويلة رمزا يذكِّر زملاءها والبلاد عامة بالشعور الفظيع الذي ألمَّ بهم عندما سمعوا عن إطلاق النار لأول مرة، والحاجة إلى التحلي بالتحضر والاحترام في النقاش.