أعتقد أن موجة الإرهاب الجديدة، التي بدأت في مصر بالانفجار الذي وقع أمام كنيسة القديسيين بالإسكندرية ليلة رأس السنة، قد حققت نتائج عكسية تماماً لما أراده المخططون. كان المطلوب أن يؤدي التفجير إلى إشعال فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين في مصر، فإذا بجماهير المسلمين تتنادى عبر الإنترنت للمطالبة بحماية جميع كنائس مصر في ليلة السابع من يناير، وهي ليلة الاحتفال بعيد الميلاد طبقاً لتوقيت الكنيسة الأرثوذكسية المصرية. كان المشهد مهيباً بخروج النساء المسلمات المحجبات من كافة الطبقات الاجتماعية للوقوف مع أبنائهن وإخوانهن حول أبواب الكنائس على هيئة دروع بشرية. هذا التحرك لا يمكن أن يدعي أحد أنه صاحب الفضل في الدعوة إليه، فلقد كانت الدعوة جماعية والاستجابة جماعية. هذا الطابع الجماعي يعكس من وجهة نظري، إحساساً عميقاً لدى المسلمين في مصر بالتسامح الديني، وبالتعامل مع الأديان الأخرى، تعاملاً ينطوي على احترام بل ويعكس أيضاً ميلاً جماعياً لدى مسلمي مصر للتعايش مع المصريين النصارى في إطار من الجيرة المسالمة الوديعة بعيداً عن التعصب الديني. القلق الشديد على أمن المسيحيين في مصر، والذي عبر عنه وزير الخارجية الإيطالي في أعقاب انفجار الإسكندرية، قد تحول مع مشاهد الدروع البشرية المسلمة للكنائس بعد أسبوع، إلى موقف مغاير تماماً. قال الوزير في حديث للتلفزيون الإيطالي: "إن الشعب المصري قد أظهر لنا عظمة تاريخه وحضارته التي عهدناها فيه عندما شكل دروعاً بشرية لحماية الكنائس المصرية". لقد سألت بعض من شاركوا في تشكيل هذه الدروع، لماذا ذهبوا إلى الكنائس ليلة عيد الميلاد؟ فجاءتني الإجابات متنوعة تدور حول جوهر واحد وهو إحساس المسلم بالمسؤولية عن حماية دور العبادة المسيحية. قال البعض ذهبنا لنحمي حق المسيحيين في الصلاة في أمان، وقال آخرون ذهبنا لأن ديننا الإسلامي يأمرنا أن نغير المنكر بيدنا أو بلساننا أو بقلوبنا حسب قدرتنا، والاعتداء على بيوت العبادة منكر ذهبنا لنتصدى له بأجسامنا. هذا التيار العريض من المسلمين ظهر باعتباره القائد الفعلي لحالة التعايش المصري، ومع ذلك علينا أن نعترف أن هناك على جانبي التيار العريض من المسلمين والمسيحيين الذين يتعايشون في سلام هامشيين من التطرف، إن الخطاب الديني الذي يحمل نبرات الكراهية للدين الآخر سواء كان الإسلام أو المسيحية يظهر لدى فئة من المشايخ والقساوسة في محاولة للتأثير في التيار العريض المتعايش وإنني أرى محاولات من الصفوة الثقافية المصرية للتصدي للتطرف الإسلامي والمسيحي. هذه المحاولات ستشتد وتكتسب قوة من مشهد الدروع البشرية المسلمة للكنائس، فلقد ذهب المسلمون وهم يعلمون أنهم قد يتعرضون لمخاطر عمليات إرهابية جديدة، ومع ذلك فقد سيطرت عليهم روح قتالية وصفها "آشلي صمويلسون" مراسل "الواشنطن بوست" في مصر،، فلقد سأل ربة بيت مسلمة في السابعة والخمسين من العمر تضع حجاباً إسلامياً على رأسها واسمها شيرين محمد عن سبب وجودها فقالت: "إنني أعلم أن وجودي هنا يمكن أن يكون غير آمن، ومع ذلك فأنا هنا لأننا لا نملك سوي خيارين إما أن نعيش معاً أو نموت معاً فكلنا مصريون". يقول "آشلي": "هذه العبارة تصدر عادة من كبار القادة في جيوش تستعد للحرب ولكنه سمعها من مصريين عاديين حول الكنائس".هذا التيار العريض سيقصي هامشي التطرف مع الوقت بعيداً عن المجتمع المصري.