في كتابه الذي نعرضه هنا، "نداء الهند... صورة خاصة لبلد في طور البناء"، يحاول "أناند جيريدهاراداس" رسم صورة للهند من خلال مشاهداته ليس كهندي عاش حياته في بلده، بل كأميركي من أصل هندي هاجر والداه في السبعينيات إلى الولايات المتحدة واستقرا هناك ليكتسب الكاتب جنسية أميركية وثقافة غربية دون أن ينسى جذوره التي يعيد ربط الصلة بها عندما قرر العودة إلى أرض الأجداد والاستقرار فيها؛ لذا فالكتاب هو تتبع لمسار رحلة الكاتب بين عالمين مختلفين تتخللهما محاولة لإعادة تركيب صورة الهند بين الأمس واليوم. فالكاتب الذي فتح عينيه في أميركا وتخرج من جامعتها، يعود بنا إلى زمن الطفولة عندما كان يزور الهند مع عائلته خلال إجازات متقطعة، حينها كانت الهند، كما يقول، بلداً يفتخر باشتراكيته وكانت الندرة هي الملمح الطاغي على جميع مناحي الحياة، حيث الجميع يتقاسم ما يمتلكون ويقنعون أنفسهم بالقليل، ولم يكن الطموح من المفردات السائدة وقتها، بل الجميع مكتف بالتراتبية الاجتماعية الموروثة، فالمنبوذون خُلقوا لخدمة من هم أعلى منهم في هرم المجتمع أما الذين في الأعلى فلا يرون في التعامل المتعالي مع الآخر أي ضرر، فقد كانت الهند مقسمة بين الشرائح ولا أحد يسعى إلى مساءلة ذلك الإرث الثقيل، وفي الخلفية من هذا الواقع الاجتماعي الجامد يبرز نظام اشتراكي يقتل المبادرة ويعلي من شأن البيروقراطية. غير أن الكاتب سعى للحصول على عمل في الهند ما أن أنهى دراسته الجامعية في أميركا، ليعود مجدداً إلى العالم الذي سمع عنه في طفولته، ورآه خلال زياراته القليلة، ليجد الهند وقد قطعت شوطاً مهماً على درب التقدم، فما أن وطأت قدماه مدينة مومباي المكتظة حتى استشعر الاختلاف وبدأ يشق طريقه وسط الجماهير الغفيرة في الطرقات مؤسساً لنفسه حياة جديدة، لكن أهم ما يلاحظه الكاتب ذلك التغير الحاصل على مستوى العقليات لدى الجيل الجديد من الشباب المتطلع إلى حياة أقل انضباطاً تجاه القيود والقوالب التقليدية الجامدة، فرغم استمرار التراتبية الاجتماعية بامتداداتها العقدية الضاربة في عمق الديانة الهندوسية، فقد استشعر من خلال رحلاته إلى مدن هندية مختلفة الإحساس بالثقة المتنامية لدى جيل جديد من الهنود، فهو يتذكر عندما كان صغيراً كيف كان أصدقاؤه من العائلة ينظرون إليه باعتباره أحد أقربائهم القادم من أميركا، بنظرة تمتزج بها الريبة بالإجلال المبالغ فيه، وهو الإجلال ذاته الذي يميز الحياة الهندية تجاه كل رموز السلطة والقوة إلى درجة يصعب معها العثور على من ينتقد أو يثور، وقد ظلت أوجه التمرد السياسي النادرة تلك التي تقودها الحركات الماوية في بعض الولايات الريفية الفقيرة دون أن ينسحب ذلك على النخبة المدينية في الحواضر الكبرى، لكن كل ذلك يقول الكاتب تراجع عندما جاء إلى الهند للعمل، حيث استُقبل بحفاوة أقل ولم تعد نظرة التقدير والتعظيم هي نفسها لأن جيل الشباب بدأ يثق في قدراته وإمكانية تحقيق ذاته من خلال العمل. وفي تفسيره لهذا التغير في العقلية الهندية يعتبر الكاتب أن التحول بدأ بانفتاح الهند على اقتصاد السوق واعتناقها الرأسمالية كنظام اقتصادي بدل الاشتراكية التي أثبت محدوديتها، زد على ذلك انخراط الهند في سيرورة العولمة إذ كانت إحدى أكبر المستفيدين منها، فقد باتت الهند من أهم مستقطبي الشركات العالمية التي تفضل تعهيد قطاعات مهمة من إنتاجها إلى العمالة الهندية وبناء فروع لها في الهند. وهنا يشير الكاتب إلى مدينة مثل "بانجالور" التي تحولت في ظرف وجيز من منطقة متخلفة ترزح تحت الفقر والحرمان إلى مدينة تضاهي "وادي السيلكون" في الولايات المتحدة بعدما استقرت فيها كبريات شركات تكنولوجيا المعلومات وأصبحت مفخرة للهند والشباب المتطلع للعمل والإبداع. لكن احتفاء الكاتب بالرأسمالية كمفتاح للتقدم الهندي ربما يرجع إلى تجربته الشخصية ونظرته للعالم المتأثرة قطعاً بنمط الحياة الأميركي ونموذجه الاقتصادي، فلو اقترب أكثر من الواقع وحلله بموضوعية لاكتشف محدودية النظام الرأسمالي في الاستجابة لحاجات الإنسان الغربي نفسه بعدما خذله وتركه نهباً لأسوأ الأزمات الاقتصادية. زهير الكساب الكتاب: نداء الهند... صورة خاصة لبلد في طور البناء المؤلف: أناند جيريدهاراداس الناشر: هنري هولت تاريخ النشر: 2011