هل يتجه العالم العربي إلى التضاؤل والانهيار، أم أنه ينحو باتجاه إعادة صياغة وتشكيل حجمه وحدوده الحقيقية؟ الاستفتاء على مصير جنوب السودان، هو الحدث الأخطر على وحدة الأراضي العربية من وجهة نظر القوميين العرب، لكنه الخيار الأنسب الذي انتظره بفارغ الصبر أهالي الجنوب السوداني بعد حروب دموية طاحنة. إن الخوف من التقسيم والتجزئة والانفصال، كان ومازال الهاجس الدائم للفكر القومي العربي الذي تبنته بعض أنظمة الحكم العربية والأكثرية الساحقة من مثقفي وعامة الشعب العربي. ورغم الديمومة التي اتسم بها هذا الخوف، فإن أغلب البلدان العربية لم تعش يوماً واحداً حالة الوحدة القومية التي تطرحها النخب القومية عبر شعارات براقة، حفظها عن ظهر قلب كل من وُلد وعاش في أي بلد عربي. وتتواجد في كافة الدول العربية، شعوب وقوميات مختلفة. لكن في بعض الدول، مثل العراق، وسوريا، والسودان، ومصر، والجزائر، والمغرب، هناك وجود بيّن وواضح لشعوب غير عربية، لها تاريخها ولغاتها ومناطقها الجغرافية الخاصة بها. ونتيجة لحالة القمع والحرمان المستفحلة، فإن حركات التحرر القومية غير العربية انتهجت أسلوب الكفاح المسلح ضد سياسات انتهجتها الأنظمة الحاكمة، مما أفضى إلى نشوء أقاليم لها سلطتها السياسية والعسكرية والاقتصادية الخاصة بها. وها هو السودان اليوم قاب قوسين أو أدنى من الانفصال، فمن المسؤول يا ترى؟ هل هو أهالي الجنوب وقيادة حركته، أم نظام الحكم السوداني؟ وفي العراق، دائماً كانت تهمة الانفصال والتمرد ترافق اسم الكردي أينما وُجد، وكان خوف القوميين العرب كبيراً من تعاظم قوة الكرد وتثبيتهم لخصوصيتهم القومية. لكن بعد إعلان حكومة إقليم كردستان العراق في بداية التسعينيات، وسقوط نظام صدام، وتشكيل حكومة عراقية تعبر عن مكونات الشعب العراقي، وفي الفترة الأخيرة عندما تأزمت الأمور وبقي العراق لمدة ثمانية أشهر من دون حكومة... بادر الكرد إلى العمل على لم شمل الأطراف السياسية العراقية المختلفة فيما بينها، من خلال مبادرة لرئيس إقليم كردستان العراق، يُجمع المراقبون على أنها أنقذت العراق من حالة التشرذم السياسي. ولم يعمل الشعب الكُردي على استغلال الفراغ السياسي الحاصل في العراق، حيث انعدام الحكومة وانشغال الأطراف السياسية بخلافاتها حول توزيع المناصب، بينما يمتلك إقليم كردستان حكومة ورئاسة منتخبة، وبنية اقتصادية قوية وقوات مسلحة نظامية مدربة... هذا بالإضافة إلى وجود حالة سياسية معقولة بالقياس إلى دول الجوار، حيث المعارضة الكردية تسيطر على ربع مقاعد البرلمان الكردستاني. ولاشك أن الحالة الكردية في العراق، ضربت أخماس الفكر القومي العربي بأسداسه. حيث بادر من كان يُعرف بالانفصالي المتمرد بالأمس، إلى لم شمل العراقيين اليوم. فهل سيستمر هذا الخوف من المختلف قومياً بالنسبة لأصحاب الفكر القومي العربي؟ محمد محمود بشار كاتب عراقي ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"