غيرت الأزمة المالية العالمية الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة، بل إنها حركت العديد من الثوابت التي كانت تعتبر بمثابة قوانين غير مكتوبة، ففي العقود القليلة الماضية لم تقف الشركات الاستثمارية ورجال الأعمال طويلًا أمام خياراتهم الاستثمارية من الناحية الجغرافية، فالولايات المتحدة كانت الخيار الأمثل والأضمن لهؤلاء المستثمرين، فالسوق الأميركية كانت حافلة بفرص الاستثمار النادرة، التي تدر عوائد مجزية، مما يعطيها الأولوية على غيرها من البلدان. ومع أن أوروبا الغربية ومن ثم بلدان شرق آسيا استحوذت على نسب مهمة من الاستثمارات الأجنبية، وبالأخص العربية في السابق، إلا أن الولايات المتحدة ظلت هي النجم الساطع في سماء خريطة العالم الاستثمارية. ويبدو أن عملية الاستقطاب الاستثمارية السابقة هذه حملت في طياتها الكثير من المضاربات والتلاعب بالمشتقات المالية التي لا تستند على أسس اقتصادية أو مالية علمية، مما أدى إلى انهيارها بسرعة كبيرة ليتكبد المستثمرون الأميركيون والأجانب مبالغ طائلة بسبب تبخر استثماراتهم في السوق الأميركية. وعلى النقيض من ذلك بقيت الاستثمارات الأجنبية في أوروبا الغربية وآسيا في مأمن نسبيّاً من لعبة المشتقات المالية، وذلك بسبب الأنظمة والقوانين الأوروبية التي تحد كثيراً من عمليات التلاعب وتضخيم الأصول دون أسس مادية. ولذلك نرى أن معظم الخسائر الأجنبية، وبالأخص العربية، تركزت في السوق الأميركية مع بداية انهيار بنك "ليمان برذرز" وما تلاه من انهيارات متتالية، ويضاف إليها التراجع الكبير في قيمة العملة الأميركية الذي فاقم من حجم هذه الخسائر. ومجمل هذه التطورات المختصرة وهذه التجربة شديدة المرارة للمستثمرين يفترض أن يؤدي إلى القيام بمراجعة شاملة للاستثمارات الأجنبية والعربية حول العالم، فالسوق الأميركية لم تعد السوق المثالية للاستثمارات الأجنبية. ولذلك تبقى أوروبا على رغم التعثر المؤقت لـ"اليورو" وكذلك بلدان شرق آسيا، وبالأخص الصين والهند، بالإضافة إلى البرازيل وروسيا أسواق استقطاب آمنة للاستثمارات الأجنبية، وذلك بفضل ما تتمتع به من أنظمة وقوانين تراعى فيها إدارة هذه الاستثمارات وفق أسس صحيحة. وبشكل عام ربما تكون العديد من الجهات الاستثمارية في العالم، بما فيها الصناديق الاستثمارية، قد أدركت هذه الحقيقة، حيث تلاحظ حركة تدوير للاستثمارات العالمية مع التركيز على أوروبا وشرق آسيا. وإذا ما أخذنا على سبيل المثال استثمارات الصندوق السيادي لدولة قطر "جهاز قطر للاستثمار" لعام 2010 الذي يعتبر أحد الصناديق السيادية الناجحة في العالم، فإننا سنجد أنه قام باستثمار 21.6 مليار دولار في الأسواق العالمية، منها أكثر من 40% في أوروبا و13% في الصين و4% في السعودية و3% فقط في الولايات المتحدة و 2.3% في روسيا الاتحادية. ويعد ذلك بمثابة استخلاص لأحد دروس الأزمة المالية العالمية، التي سيترتب عليها التأسيس لعلاقات اقتصادية دولية جديدة متعددة الأقطاب، التي ستجد لها انعكاسات مهمة في المجالات السياسية والاستراتيجية. وتزامناً مع ذلك يلاحظ تكثيف الاستثمارات الداخلية للبلدان الغنية في العالم، بما فيها البلدان المصدرة للنفط، حيث يعتبر ذلك توجهاً صحيحاً وذا أبعاد تنموية ستساهم في بناء قاعدة إنتاجية ستؤدي في نهاية المطاف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل المخاطر التي قد تتعرض لها هذه الاستثمارات في الخارج. ومما يزيد الطين بلة في الولايات المتحدة تعرض إصلاحات أوباما المالية لتحديات حقيقية بعد أن سيطر حزب "حفلات الشاي" اليميني المتطرف على الكونجرس، مما سيعيق تنفيذ هذه الإصلاحات المهمة، ويتطلب من بقية المستثمرين في العالم الاهتمام بالاستثمار في بلدان الشاي الصيني الصحي والقهوة الفرنسية و"الكاباتشينو" الإيطالي المطعم بالشيكولاتة السويسرية اللذيذة.